باب الصمت يقال صمت يصمت صمتا وصموتا وصماتا أي سكت .
( أخبرنا عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني قال : حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان قال : حدثنا أحمد بن يوسف السلمى قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر ، فلا يؤذ جاره ، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر ، فليكرم
شرح
باب الصمت
اعلم أنّ منشأه أن من دخل إلى حضرة الحق ناظرا لنفسه ، إذا أراد أن يظهر له ما جرى في حقه من الكرامات ناداه منادي الحقيقة تذكر ، كرامتك ، ولا تذكر ذاتك ، فيقف حينئذ عند حده ، ويفر مما بدا له عوضا من فرحه به ، فيكون حاله قبضا في قبض ، وكتمانا في كتمان ، وسترا في ستر ، وهو حال الزهاد والعباد ، وأهل الطاعة والأوراد ، ممن لم يخص بالمعرفة ولا تبرأ من نفسه ، أما من دخل ناظرا إلى إحسان اللّه تعالى عاملا بما به تولاه راجعا إليه ، فيما منّ به عليه وأولاه ، فذلك الذي ينطق لسانه ، ويسترسل بالإظهار بيانه ، فلا يحتشم عن التعبير ، ولا يبالي بما فيه من جليل وحقير ، لأنه لا يرى نفسه منعدما من البين ، ويشاهد معروفه الحق رؤية العين ، فافهم هذا ، واعلم أنّ الكمال كله في صمت اللسان والقلب ، فغير ذلك لا خير فيه لأن الصمت والسكوت عن الأسرار مع غير الأهل من شأن الكاملين ومن خلق المحبوبين ، أما مع الأهل والأقران ، فهو من دأب المحبين فبالصمت تكون السكينة والوقار ، وبالقيل والقال قد تنهتك الأسرار ، وبعبارة أخرى نقول الصمت هو السكوت عن المحرّم والمكروه ، وخلاف الأولى ، أو هو السكوت عما لا يعني عملا بخبر : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » ، والدليل على مشروعية الصمت قوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث الطواف « فمن نطق فلا ينطق إلا بخير » « 1 » . ( قوله : من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر ، فلا يؤذ جاره ) أي من له جوار وهو الكائن في دار من أربعين دارا من كل جانب لدار الإنسان ، وظاهره ، ولو كان ذلك الجار كافرا ذمياهامش
( 1 ) أخرجه الدارمي ( مناسك 32 ) .