علي الدقاق رحمه اللّه يقول : من سكت عن الحق ، فهو شيطان أخرس ، والصمت من آداب الحضرة قال اللّه تعالى :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
[ الأعراف : 204 ] وقال تعالى خبرا عن الجن بحضرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا
[ الأحقاف : 29 ] وقال تعالى :
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
[ طه : 108 ] وكم بين عبد يسكت تصاونا عن الكذب ، والغيبة ، وبين عبد يسكت لاستيلاء سلطان الهيبة عليه ) بما يطرقه من الحياء والخجل وغلبة الاحترام ، وقد يغلب الاحترام على قلب المحترم بالحضور حتى ينسى جميع ما حضر لأجله ( وفي معناه أنشدوا ) .
( أفكر ما أقول إذا افترقنا . وأحكم ) أي أتقن ( دائبا ) أي جادّ من دأب فلان في
شرح
أي حيث كان ممن قوله يجدي ولا يترتب عليه فتنة ولا ضرر . ( قوله : والصمت من آداب الحضرة ) أي من آداب أهل الحضور ممن يدوم على حال المراقبة له تعالى في جميع حركاتهم وسكناتهم مثل الزهاد والعباد ، وأصحاب الأوراد ممن لم يتم لهم الشهود ، ولم يتحقق عندهم الورود ، أما الكاملون في مقام العرفان المشاهدون مشاهد العيان ، ممن غلبت على قلوبهم غلبات الحقيقة ، فلا يبالون بالنطق حيث أنهم قد تحققوا بالحق .
( قوله : قال تعالى الخ ) جميع ما أورده من الآيات المذكورة القصد به الإستئناس لحكم الباب لا أدلة حقيقية له .
( قوله : قال اللّه تعالى وإذا قرىء القرآن الخ ) حمله إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه على الخطبة للأدلة التي ثبتت عنده من السنة . ( قوله : وكم بين عبد يسكت الخ ) أقول :
تجليات المقامات تختلف باختلاف همم العبيد ، فتارة توجب صمتا وسكوتا ، وأخرى نطقا بمظاهر العظمة والجبروت ، بل قد يتعاقب ذلك بالنسبة للعبد الواحد بحسب تجلي وقته ، ثم التعبير تارة يكون عن حقيقة بلا تحقق ، وذلك حال العلماء ، وأهل البداية فهو يفيد العلم والفهم دون التأثر والتأثير ، وتارة يكون عن حقيقة مع تحقق ، وهو حال أهل المعرفة فيفيد التأثير والانفعال ، ومني عليك السلام . ( قوله : تصاونا عن الكذب والغيبة الخ ) واعلم أن هذا المقام أقل وأدون مما بعده ومع ذلك فهو عزيز جدّا باعتبار أهل زماننا ، فلا حول ولا قوّة إلا باللّه .
( قوله : لاستيلاء سلطان الهيبة الخ ) أي هيبة من له الأمر والنهي ، وهو الحق تعالى أما السكوت لهيبة المماثل من الخلق ، فقد يكون حسنا أو قبيحا ، وذلك باعتبار السكوت عنه فافهم . ( قوله : أفكر ما أقول الخ ) أي أشغل فكري في الذي أقوله للحبيب إذا التقينا بعد المفارقة ، وأتعب نفسي في اتقان حجج المقال له ، ثم إنا إذا التقينا أنسى ما أتقنته من تلك الحجج لغلبة سلطان هيبته أو محبته عليّ فأنطق وقت ذاك بالمحال لفساد فكرتي