تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
في الدنيا ، فقال : لما زهدت في أكثرها أنفت ) أي استنكفت ( من الرغبة في أقلها ) كما مرّ قريبا . ( وقال يحيى بن معاذ : الدنيا كالعروس المجلوة ) تراها الأبصار وتحبها القلوب ، وتمدحها الألسن من حيث أن اللّه خلقها وجملها بالمال والبنين وغيرهما ، كما قال
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ الكهف : 7 ] ( ومن يطلبها ) ويعمرها ( ماشطتها ) من حيث أنه يزيدها حسنا للمغرورين ( والزاهد فيها يسخم وجهها ، وينتف شعرها ويحرق ثوبها ) من حيث إنه لما عرف نقصها وفناءها وقطعها للعبد عن عبادته اشتغل بتزهيد الخلق فيها ، وتقبيح محاسنها الظاهرة ( والعارف مشتغل باللّه تعالى لا يلتفت إليها ) لكمال شغله باللّه وبمعرفته وجماله وجلاله ومناجاته عن ذمها فضلا عن مدحها ، كما قالت رابعة لما رأت طائفة من الزهاد يذمون الدنيا ويحقرونها : من أحب شيئا أكثر من ذكره اشتغلتم باللّه تعالى وبمحبته لشغلكم عمن سواه ، فالعارف قد انقطع قلبه عنها ، فلا يمدحها ولا يذمها
شرح
( قوله : فقال لما زهدت في أكثرها الخ ) هذا منه نفعنا اللّه ببركاته من التقريب للعقول القاصرة على حسب ظاهر الحال ، وإلا فالدنيا بأسرها قليلة بالنسبة لأقل القليل من نعيم الآخرة ( قوله : الدنيا كالعروس المجلوّة الخ ) أي كالعروس وقت زفافها ، وهذا بحسب ظاهر الحال ، وإلا فالباطن سم قتال ، ولذا أشار تعالى بقوله جل جلاله :كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ[ آل عمران : 117 ] الآية فظاهرها حلو وباطنها مر ، وذلك لدسائسها وخستها وفتنتها وحجبها عن المقامات والدرجات ، وثبت في الخبر أنها جيفة قذرة ، وأن طلابها كلابها فتأمّلها بنور البصيرة لئلا تقع في الحيرة ، واللّه أعلم . ( قوله : ماشطتها ) أي فهو يكون مثلها في تحسين الشيء بحسب الظاهر وإن كان قبيحا باعتبار الباطن . ( قوله : يسخم وجهها الخ ) أي يقبح وجهها الظاهر جماله والباطن قبحه وخبثه ، وذلك بكشفه عن معايبها ، ونشره غوائلها الكامنة في دسائسها . ( قوله : وبمعرفته ) أي معرفة كماله ، وقوله : وجماله أي جماله الذي هو ظاهر في مظاهر أسمائه وصفاته وأفعاله ، وقوله وجلاله أي عظمته ، وقوله : ومناجاته أي الثابتة بذكره ، وتلاوة آياته وكلماته . ( قوله : من أحب شيئا أكثر من ذكره ) ظاهر الخبر الشريف أن ذلك ، فيمن يميل بقلبه إلى الشيء ، وعمومه يشمل ما إذا أظهر ذمه على لسانه تخلقا لا خلقا ، ولهذا نهت رابعة رضي اللّه تعالى عنها من أكثر عندها من ذم الدنيا ، ويوضح ذلك قولها لو اشتغلتم باللّه الخ ، فللّه درها . ( قوله : فالعارف قد انقطع الخ ) أي ، وانقطاع قلبه بواسطة فنائه ذاتا وصفة وفعلا في ذات اللّه تعالى وصفاته وأفعاله ، فحينئذ التفاته إلى الدنيا ، ولو بالتحقير لها بعد من التفرق والحجاب بالنسبة لمقامه .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 278 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على