وربما غفل عن ثواب آخرته . ( سمعت أبا عبد اللّه الصوفي يقول : سمعت أبا الطيب السامرّي ) بفتح الميم ، وتشديد الراء نسبة إلى سر من رأى بلدة ببلاد العجم ( يقول :
سمعت الجنيد يقول : سمعت السري يقول : مارست كل شيء من أمر الزهد فنلت منه ما أريد ) كالزهد في المطعم والملبس ، وفضول الكلام ( إلا الزهد في ) لقاء ( الناس ) والتبسط معهم في المقال ، والإستئناس بمحادثتهم ( فإن لم أبلغه ولم اطقه ) لعزته ، أما لقاؤه إياهم لنفعه بهم في دينه أو لنفعهم في دينهم فلا يزهد فيه ولا يذم العبد فيه نفسه على عدم نيل الزهد فيه وقد يزهد العبد في لقاء الناس ، ويبقي عليه الزهد في نفسه من الراحة ، وحب الكسل ونحوهما ، وقد يزهد في راحة نفسه ، ولا يزهد في بذل نفسه للّه إذا حضر جهاد في سبيل اللّه فالزهد يتنوع على حسب المزهود فيه ، ( وقيل ما خرج الزاهدون ) بزهدهم في الدنيا من حظهم الخسيس ( إلا إلى ) حظ ( أنفسهم ) النفيس ( لأنهم تركوا النعيم الفاني ) النكد الممزوج بالهموم والأحزان ( للنعيم الباقي ) الكامل الذي لا نكد فيه ولا ألم . ( وقال النصر أباذي : الزهد حقن
شرح
( قوله : وربما غفل الخ ) أي ، ويقال لهذا صاحب أنفة كما تقدّم ، وهي صفة تمنع من التشوّف إلى ما سواه تعالى . ( قوله : مارست كل شيء الخ ) مراده أن الزهد يختلف قوّة وضعفا بحسب اختلاف المزهود فيه ، وإن أقوى الزهد هو الزهد في الناس باعتبار ما للنفس فيهم من الحظ ، ولهذا قد قيل من الإفلاس الإنس بالناس . ( قوله : أما لقاؤه الخ ) أقول ذلك باعتبار حال المبتدي أما المحقق العارف ، فهذا بالنسبة له من التفرق والحجاب . ( قوله : فلا يزهد فيه ) أي لأنه مطلوب من العبد شرعا . ( قوله : فالزهد يتنوّع الخ ) أي وأعلى الزهد هو الزهد في النفس لأنه به يصل العبد إلى مقامات القرب . ( قوله :
ما خرج الزاهدون الخ ) أقول ، وسبب ذلك ما أكرموا به من علم خشية اللّه تعالى المصحوب بمعرفته الدال على تحقيق عبوديتهم له تعالى لأنه علم شريف الأصول الفرع ، إذ الأشياء تشرف بشرف موضوعاتها ومقاصدها ، والحق تعالى أجل معلوم ، فالمعرفة به أفضل العلوم ، وعلم الخشية علم مهابة يصحبه تعظيم ، فهو يوقف في مواقف الأدب والمراقبة ، وذلك يقتضي الوقوف مع الأمر والنهي ، فيكسب صاحبه حقيقة الوراثة النبوية ، فمن كان على غير هذه الصفة من العلماء ، فهو مثاله كالشمعة فيضيء على غيره ، ويحرق نفسه . هذا ، ومحصل ما ذكره الإشارة إلى ثمرة الزهد لغرض تنشيط العبد ، فعساه أن يتدارك ما فاته ، واللّه أعلم .
( قوله : الممزوج الخ ) أقول بطريق المبالغة أن مدّة عيش الدنيا في صرف الهموم والأحزان لأنّ الحكم في كل شيء باعتبار غالب أحواله ، فاللّه يرزقنا التوفيق . ( قوله :
الزهد حقن دماء الزاهدين فيه الخ ) أي منع من إراقة دمائهم بواسطة ما أبقاه اللّه لهم من