والخميصة إن أعطي رضي ، وإن لم يعط لم يرض » وخبر الترمذي « ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بماذا يرجع » إلى قول من قال : الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر . ( ومنهم من قال إذا أنفق العبد ماله في الطاعة ، وعلم من حاله الصبر ، وترك التعرض لما نهاه الشرع عنه في حال العسر ، فحينئذ يكون زهده في المال الحلال ) وفي نسخة في المال غير الحلال ( أتم ) منه في الحرام . ( ومنهم من قال : ينبغي للعبد أن لا يختار ترك الحلال بتكلفه ، ولا طلب الفضول مما ) أي من شيء ( لا يحتاج إليه ويراعي القسمة ) أي قسمة اللّه له ، ولغيره ( فإن رزقه اللّه مالا من حلال شكره وان وقفه على حد الكفاف لم يتكلف في طلب ما هو فضول المال ، فالصبر أحسن بصاحب الفقر ، والشكر أليق بصاحب المال
شرح
الدنيا الخ ) أي خاب وخسر ، وفيه مبالغة في ذم من تعلق قلبه بالدنيا حيث رضي لنفسه عبوديتها لأخس الموجودات ، ولكن من يضلل اللّه فلا هادي له . ( قوله : ما الدنيا في الآخرة الخ ) أقول هو من التقريب للعقول القاصرة ، وإلا فلا نسبة ولا مناسبة ، واللّه أعلم . ( قوله : إلى قول من قال الخ ) أي من الصوفية ، وتقدم أن الفقهاء على أن الغني الشاكر أفضل . ( قوله : ومنهم من قال الخ ) أقول يشبه أن يكون هذا القول جامعا بين القولين السابقين . ( قوله : وفي نسخة في المال غير الحلال ) في ذلك نظر لا يخفى ، فالأولى ما في النسخة الأولى . ( قوله : أتم منه في الحرام ) فيه أنه يقتضي تفضيل المندوب على الواجب . أقول ، ولا مانع من ذلك إذ له نظائر . ( قوله : ومنهم من قال ينبغي للعبد الخ ) تأمله فإنه نفيس جدا وفيه النصفة ، هذا والزهد في الحقيقة مرجعه القلوب لا محض ترك الدنيا لأن كثيرا من الخلق يتركها كسلا وضعف همة مع ميل قلبه إليها ، وكثيرا منهم يأخذها ويتعاطاها مع زهده فيها ، وقلة رغبته في ملاذها فيعمل قلبه بإذن ربه خاصة ، وبذلك اختلفت أحوال الناس . ( قوله : شكره ) أي بالتصرف فيه على حسب الإذن الشرعي ، بل ربما يؤثر به غيره .
( قوله : وإن وقفه على حد الكفاف الخ ) أي عملا بخبر رواه أبو أمامة قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك ، ولا تلام على كفاف ، وابدأ بمن تعول ، واليد العليا خير من اليد السفلى » « 1 » ، قال أبو عيسى هذا حديث صحيح .
( قوله : فالصبر أحسن الخ ) أي فاللازم للعبد أن يكون فاني المراد في مراده تعالى لا يختار لنفسه حالا دون حال ، فيكون عمله بحسب تصريف ربه إن فقد صبره ، وإن وجد شكره .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( زكاة 95 ، 97 ، 106 ) وأبو داود ( زكاة 39 ، 40 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 94 ) .