تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
شرح
ذلك متاع الحياة الدنيا أي ما يستمتع به فيها والمآب المرجع إلى الجنة ، وفي ذلك تفضيل للمآب ، وتعظيم له ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا عالم أو متعلم » « 1 » الحديث ، والزهد لغة قلة رغبة النفس في الدنيا يقال زهد في الشيء ، وعن الشيء يزهد زهدا وزهادة والمزهد القليل المال ، والزهيد العليل ، وفلان يزهد في عطاء فلان يعده قليلا ، واعلم أن الزهد ينقسم إلى واجب ومندوب ، والمندوب إلى فاضل وأفضل ، فالزهد في الحرام واجب ، وفي المكروه مندوب ، وفي ترك الفضول من الحلال أندب ، فالزاهد من لم يغلب الحرام صبره ولا الحلال شكره كما نقل ذلك عن سفيان بن عيينة والزهري ، أقول وما ذكراه من ثمرات الزهد إذ من ضعفت شهواته لزهده قوي صبره ولا تشغله الشهوات لو وجدت عن شكر المنعم ، فتأمل تفهم ، واللّه أعلم . ( قوله : هو الإعراض الخ ) أقول والإعراض والتهافت على تحصيل الدنيا سواء لأنه لا بد من وصول المقسوم في الأزل ، فالإعراض لا يمنعه والتهافت لا يجلب زائدا عليه ، ولا بأس بإيراد قول عروة بن أذينة الشاعر وقصته حيث هو يقول :لقد علمت وما الإسراف من خلقي * أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنيني تطلبه * ولو قعدت أتاني لا يعنينيوحاصل قصته أن عروة هذا ، وفد على هشام بن عبد الملك في جماعة من الشعراء ، فلما دخلوا عليه عرف عروة فقال له ألست القائل لقد علمت ، وما الإسراف من خلقي الخ وأراك قد جئت تضرب من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق ، فقال له : لقد وعظت يا أمير المؤمنين فبالغت في الوعظ ، وذكرت ما أنسانيه الدهر ، وخرج من فوره إلى راحلته فركبها وسافر راجعا نحو الحجاز فمكث هشام يومه غافلا ، فلما كان الليل تعارّ على فراشه ، فذكره وقال في نفسه رجل من قريش قال حكمة ، ووفد إليّ فجبهته ورددته عن حاجته ، وهو مع هذا شاعر لا أدري ما يقول ، فلما أصبح سأل عنه فأخبر بانصرافه ، فقال لا جرم ليعلمنّ أن الرزق سيأتيه ، ثم عاد بمولى له وأعطاه ألفي دينار ، وقال إلحق بهذه ابن أذينة فاعطه إياها فسار إليه فلم يدركه إلا وقد دخل بيته ، فقرع عليه الباب ، فخرج فأعطاه المال ، فقال : أبلغ أمير المؤمنين السلام ، وقل له كيف رأيت قولي سعيت فأكديت ، ورجعت إلى بيتي فأتاني المال الذي هو رزقي فتأمّل هذه القصة ، فإنها تحث على اليقين ، وإعلاق الأمل بالخالق دون المخلوقين ، واعلم أن قول هذا الشاعر وما الإسراف من خلقي يصح قراءته بالسين المهملة وبالشين المعجمة بمعنى التطلع إلى الشيء والاستشراف له ، من درة الغوّاص . ( قوله : هو الإعراض الخ ) أقول ومما يسهل
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( زهد 14 ) وابن ماجة ( زهد 3 ) والدارمي ( مقدمة 32 ) .