ولو لم يكن فيه إلا أنه بعد به عن الدنيا التي هي ملعونة اللّه لكفى به فضلا وشرفا . ( أخبرنا حمزة ابن يوسف السهمي الجرجاني قال : أخبرنا أبو الحسين عبيد اللّه بن أحمد بن يعقوب المقري ببغداد قال : حدثنا جعفر بن مجاشع قال : حدثنا زيد ابن إسماعيل قال : حدثنا كثير بن هشام قال : حدثنا الحكم بن هشام عن يحيى بن سعيد عن أبي فروة عن أبي خلاد وكانت له صحبة ) بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ( قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا رأيتم الرجل قد أوتي زهدا في الدنيا ومنطقا ) فيها بالوعظ ( فاقتربوا منه فإنه يلقن ) وروي يلقي ( الحكمة وقد اختلف الناس في الزهد ) لا من حيث معناه بل من حيث حكمه ، والقنع بما تيسر وغيرهما كما سيأتي ، ( فمنهم من قال الزهد ) يكون ( في الحرام لأن الحلال مباح من قبل اللّه سبحانه ، فإذا أنعم اللّه تعالى على عبده بمال من حلال وتعبده بالشكر عليه ، فتركه له باختياره لا يقدم على إمساكه له بحق إذنه ) تعالى له فيه ، فلا يكون تركه زهدا عند هذا القائل ، ( ومنهم من قال الزهد ) في الحلال الزهد قصر الأمل ، ولذا ورد كفى بذكر الموت مزهدا . ( قوله : وهو رأس كل طاعة الخ ) أي ولذلك كثرت ثمراته فيها فراغ القلب عن المشغلات وعزة النفس بالرب والاستغناء عن جميع المخلوقات والتلذذ بالمناجاة ، والسلامة من التبعات وغير ذلك . هذا ، وقول الشارح هو الاعراض الخ قال بعضهم : لعل عده من المقامات باعتبار بعض السالكين ، وإلا فهو يستدعي منازعة النفس ، وهي عين الدعوى وصارفة عما هو أكمل منها ، وهو الاشتغال بالحق تعالى ، فهو حينئذ باعتبار الخواص من العارفين المحققين صرف الرغبة إليه تعالى ، وتعلق الهمة به والاستغناء به عن كل شيء وهو يتولى حسم أسباب الحجاب عنهم . ( قوله : التي هي ملعونة اللّه الخ ) قال بعضهم : ذم الدنيا باعتبار ما طبعت عليه من كونها مشغلة عن الحق تعالى ، وهو لا ينافي مدحها باعتبار من وفقه اللّه في تصاريفه فيها ، ولذلك قيل بهذا الاعتبار إنها مزرعة الآخرة . ( قوله : فاقتربوا منه الخ ) أي فتقربوا منه لتنالوا من بركات أنفاسه حيث كان لا ينطق إلا بالحكمة بواسطة إشراق نور بصيرته . ( قوله : لا من حيث معناه الخ ) أي لأنه لم يختلف فيه من هذه الحيثية للاتفاق على أنه الإعراض بالقلب عن الدنيا وقوله : بل من حيث حكمه أي متعلق حكمه كما لا يخفى . ( قوله : وتعبده بالشكر عليه الخ ) أي طلب منه الشكر عليه الذي هو صرف جميع ما أنعم اللّه به عليه ، فيما خلق له أو هو انفاقه في مرضاة اللّه ، ولم يتعبد بغير ذلك فحينئذ تركه في حالة الاختيار وإمساكه بحق إذنه سواء .
( قوله : لا يقدّم على إمساكه الخ ) أي فالأمران سواء لا أولوية لأحدهما على الآخر فتركه مثل إمساكه في الفضيلة . ( قوله : ومنهم من قال الزهد الخ ) أي لأن كلا من الحلال والحرام يشغل عن الحق ، وشأن التوسع الإطغاء ، والدنيا بهذا الاعتبار مبغوضة له تعالى فالزهد في الحلال هو الزهد حيث درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح ، وحاصل
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 261
مساهمون: الشيخ عبد الله العروسي
ص٢٦١