أي : العمل الصالح ( ولا عمل إلا الصبر عليه ) أي : على العمل لأن اللّه تعالى يبتلي عبده بالمرض والعافية والفقر والغنى وغيرها فإن صبر على المشق المؤلم أنابه ، وإن شكر على النعم أثابه . ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول :
سمعت الكتاني يقول : قسمت الدنيا على البلوى وقسمت الآخرة ) وفي نسخة الجنة ( على التقوى ) لقوله تعالى :
إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ التحريم : 7 ] ولخبر « إنما هي أعمالكم ترد عليكم » ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الجريري يقول : من لم يحكم بينه وبين اللّه عز وجل التقوى والمراقبة ) بأن يأتي بالمأمورات وينكف عن المنهيات على وجهها ( لم يصل إلى الشكف والمشاهدة ) والمراد بها غلبة حال الحق على القلب حتى لا يلتفت إلى غيره وتقدم تحقيقهما .
( وقال النصر أباذي : التقوى أن يتقي العبد ما سوى اللّه ) تعالى مما يشغله عنه ( وقال سهل : من أراد أن يفتح له باب التقوى فليترك الذنوب كلها ) بأن يجتهد في أن لا يقع في شيء منها ( وقال النصر أباذي : من لزم التقوى اشتاق إلى مفارقة الدنيا لأن
شرح
أمر بالاقتداء بهم فيه إنما هو أصول الدين وكمالات الأخلاق ، ولا شك أنه اقتدى بهم بالفعل لوجوب عصمته فهو حينئذ قد جمع ما تفرق فيهم من كمالات الأخلاق صلى اللّه عليه وسلم .
( قوله : قسمت الدنيا على البلوى ) أي لأجل البلوى أي الابتلاء فعلى بمعنى لام التعليل ، ولذلك كان الموفق فيها يشتد بلاؤه ليعظم جزاؤه ، وقوله : وقسمت الجنة على التقوى أي لأجلها كذلك حيث هي دار جزاء وإحسان ، فهي من ثمرة كسب العبادة والمجاهدة في الدنيا . ( قوله : ترد عليكم ) أي يرد عليكم جزاؤها إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . ( قوله :
من لم يحكم ) أي يتقن بينه وبين اللّه التقوى والمراقبة على معنى من لم يكن أساس أعماله عليهما لم يصل أي لم يتوصل إلى طريق الكشف والمشاهدة المراد منهما علم اليقين وحقه . ( قوله : أن يتقي العبد ما سوى اللّه الخ ) فيه دليل على علو همته حيث أنبأ عن أشرف المنازل . ( قوله : إن يفتح له باب الخ ) أي ولا سبيل إلى ذلك إلا بالبعد عما يشغل عن حق الحق تعالى .
( قوله : فليترك الذنوب كلها ) أي بعد أن يغتسل من جنابة الغفلة بماء الغيب عما سواه تعالى لأن مقام التقوى دائرة ولاية اللّه تعالى ولا يدخلها إلا المطهرون ، فالتطهير من هذه الجنابة المعنوية إنما يكون بمطهرة معنوية وهو الذكر والفكر . ( قوله : لأن اللّه تعالى يقول وللدار الآخرة خير للذين يتقون ) أي وحيث كانت الآخرة هي الخير لهم لزم أنهم يشتاقون مفارقة الدنيا ليصلوا إلى ما هو الخير لهم . ( قوله : من تحقق ودخل الخ ) مراده بالدخول في التقوى ذوق لذتها بقوّة يقين ثمرتها حسبما وعد الحق ، فإذا تم له ذلك هان عليه الإعراض عن الدنيا بشاهد يقين فنائها وخستها في جنب أقل الأقل من نعم الآخرة ،