تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
استغنى عن الناس واستغنوا عنه وإلا فمتى دعاه الشرع إلى الخلطة بهم إما في التعلم منهم أو التعليم لهم ، فلا خير في البعد عنهم ، وبهذا يجمع بين الأدلة الدالة على طلب العزلة والأدلة الدالة على طلب الخلطة ، ( ولا بدّ للمريد في ابتداء حاله من العزلة عن أبناء جنسه ) أي : من الناس ليبعد عما طبعوا عليه من الأخلاق الرديئة ، والأعمال الذميمة ( ثم في نهايته ) أي : ثم لا بد له في نهاية حاله ( من الخلوة لتحققه بأنسه ) تعالى لأنها تجمع همته على مقصوده وانفراده بمحبوبه لتكمل مناجاته ، ويترقى في درجات قربه وحقيقة الخلوة الانقطاع من الخلق إلى الحق لأنه سفر من النفس
شرح
بالطاعة التي يحاولها إذا نه عبد قد خلعت عليه خلع القرب التي لا يستحقها ولا بعضها إلا بفضل ربه وكرمه ، وامتنانه إذ لا فرق بينه وبين غيره من إخوانه المسلمين فكونه خلع عليه دونهم هذا فضل عميم لا يقدر أن يقوم بشكر بعضه اللهمّ لا تحرمنا ذلك فإنك وليه ، والقادر عليه بمحمد وآله صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا حصل في هذا المقام السني جاءته الألطاف تترى حيث تشبه بالملائكة الكرام الذين لا يأكلون ولا يشربون وبذكرهم يتنعمون ، فإن الذكر بالنسبة لهم كالنفس لنا ، ومن كانت هذه حاله تكون العبادة له كالغداء ، ولذا نقل عن بعضهم أن له أكلة في الشهر ، وبعضهم في ثلاثة أشهر وبعضهم في ستة وبعضهم لا هذا ولا هذا يختص برحمته من يشاء واللّه أعلم . ( قوله : الخلوة صفة أهل الصفوة الخ ) أي صفاء القلوب والسرائر من كدورات العادات ، وقوله : والعزلة من امارات الوصلة : أي الوصول إلى الحق أي الوصول لمظاهر أسمائه وصفاته أما ذاته تعالى باعتبار الكنه ، فهي من غيب الغيب الذي لا يعلمه غيره تعالى ، فمن طمع في الشهود لها أو عوجل على شيء في الوصول إليها فهو أحمق وأعمى البصيرة ، وهذا خبر سيد الواصلين : « تفكروا في آلاء اللّه ولا تفكروا في ذات اللّه » ، فقد أرشد إلى النظر في النعم لأنها من جنس الناظر إذ هي حادثة ، فلا يدرك الإنسان شيئا إلا إذا كان بوصفه ، ولا يفهم ولا يسمع ولا ينظر إلا بوصفه فحينئذ قد انسدّ عليه باب الإدراك للذات العلية . ( قوله : ومحل طلبها من العبد الخ ) حاصله أن الخلوة والعزلة لا يطلب كل منهما إلا بالنسبة لمن لم يحتج إلى غيره ولم يحتج إليه غيره في التعلم والتعليم وإلا فلا يطلبان ، وعلى هذا التفصيل يحمل الخلاف في طلبهما وعدمه وفيه أن هذا سيأتي للمؤلف التنبيه عليه . ( قوله : ولا بدّ للمريد الخ ) أي بعد استغنائه عن غيره واستغناء غيره عنه على ما تقدّم ليقوى على السفر عن نفسه وعن قلبه . ( قوله : ثم في نهايته الخ ) أقول لعله باعتبار المريدين أما باعتبار نهاية الوصول ، فلا فرق فيه بين الخلطة والعزلة لفناء الواصل عن شهود ما سواه تعالى . ( قوله : الانقطاع الخ ) أي الانقطاع بالقلب ، وهو قد يجامع الاختلاط وذلك بالنسبة لمن قوي يقينه ، وانعدمت