يبدو منهم لعلمه ببراءتهم منه وببراءته من الاتصاف بالخير إلا بعون اللّه تعالى ( فالتأثير ) أي : فتأثير العزلة إنما هو ( لتبديل الصفات لا للتنائي ) أي : التباعد ( عن الأوطان ولهذا قيل من العارف ) باللّه ( قالوا : كائن بائن يعني كائن مع الخلق ) بالظاهر ( بائن عنهم بالسر ) أي فيما بينه وبين اللّه ، ومنهم من يعبر عنه بقوله : كائن بجسمه مع الخلق بائن عنهم بشغله مع الحق من الإخلاص والتعظيم والإجلال والتفكر ونحوها ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : ألبس مع الناس ما يلبسون وأتناول ) أي : وآكل معهم ( مما ) وفي نسخة ما ( يأكلون وأنفرد عنهم بالسر ) أي : فيما بينك وبين اللّه ( وسمعته ) أيضا ( يقول : جاءني إنسان ، وقال جئتك من مسافة بعيدة ) يعني أنا محب فيك ، وفي قربك والتخلق بأخلاقك وزيارتك ( فقلت : ليس هذا الحديث ) أي : علم الصوفية أي : حصوله ( من حيث قطع المسافات ومقاساة الأسفار ) بل من حيث تغيير الأخلاق الذميمة بالحميدة وهي مراده بقوله ( فارق نفسك ، ولو بخطوة فقد حصل مقصودك ) من مخالفة الهوى والجري على سمعة التقوى . ( ويحكى عن أبي يزيد ) البسطامي ( قال : رأيت ربي عز وجل في المنام فقلت ) له ( كيف أجدك ) أي : كيف الطريق إلى القرب منك ( فقال ) له ( فارق نفسك وتعال ) أي : إذا خالفت هواك وعملت بما أمرتك به ، فقد وجدتني وقربت مني ، وما يرى في المنام مثال لا
شرح
لذلك ، فإذا تم هذا للعبد فلا يضره حينئذ الاختلاط بالغير لما أوضحه الشارح . ( قوله :
فالتأثير الخ ) أي فحيث أن الاعتزال بالبدن وسيلة إلى تبديل الصفات فلا حاجة إذا إلى التنائي عن الأوطان ، ومع ذلك فلا يخفى أنّ الوسائل لها حكم المقاصد وسرها في الابتداء ظاهر ، وحاصل كلامه أنّ الغرض من العزلة تبديل الصفات فإذا تحقق ذلك فالأمر ظاهر وإلّا فلا ثمرة لمجرّد التنائي عن الأوطان .
( قوله : ولهذا الخ ) أي لكون القصد إنما هو تبديل الأخلاق الذميمة بالحميدة قيل الخ ، وفيه أن ذلك بالنسبة للعارف لا للمريد أما بالنسبة للمريد ، فالعزلة بالبدن أشد له تأثيرا لضعف حاله في ابتداء أمره .
( قوله : ومنهم من يعبر عنه الخ ) إن لم يكن عين ما قبله في المعنى فهو قريب منه ، ثم أقول يشير إلى هذا قوله جل جلاله :يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ[ البقرة : 273 ] . ( قوله : البس مع الناس الخ ) الغرض منه الحث على ستر السر بموافقة الناس فيما لا يضر .
( قوله : جاءني إنسان الخ ) فيه إشارة إلى أن العمل ولو شق في الظاهر لا يفيد مع عدم طهارة السرائر . ( قوله : فارق نفسك الخ ) أي فارق ما تميل إليه نفسك بمقتضى ما جبلت عليه ، وقوله : ولو بخطوة يشير به إلى أنّ ما به النفع هو السفر عن المألوفات ولو لم يقطع العبد شيئا من المفازات . ( قوله : فقد وجدتني ) أي حيث اهتديت إلى الطريق