ظنك ) أني أعتقد أن ثيابك نجسة بل ( ثيابي هي النجسة جمعتها عنك لئلا تنجس ثيابك بها لا لكي لا تنجس ثيابي ) بثيابك ومعلوم أن ثياب كل منهما لم تكن نجسة ، ولكن الشيخ أدّب هذا الرجل على سوء ظنه بالناس المفهوم من كلامه السابق لأنه لا يدري لم جمع الشيخ ثيابه ، ولعله جمعها لمقصود آخر لا لنجاستها ، وثياب الإنسان قد تطلق على حالته التي هو فيها من سوء خلقه ، وكثرة وقوعه في الغيبة ، والكذب والكلام فيما لا يعنيه ونحوها ، فكأنه قال : نفسي هي الحقيرة التي لا تصلح أن تخالط الناس ، وهذا هو اللائق بما قصده من أن العبد يقصد بعزلته عن الناس سلامتهم من شره لا سلامته من شرهم . ( ومن آداب العزلة أن يحصل ) العبد قبل اعتزاله ( من العلوم ما يصحح به عقد توحيده لكيلا يستهويه الشيطان ) أي : يطلب منه عند انفراده به أن يتبع هواه ( بوساوسه ) في إيمانه وسائر طاعته ، ( ثم ) بعد تحصيله ذلك ( يحصل من علوم الشرع ما يؤدّي به فرضه ) ونفله ( ليكون بناء أمره على أساس محكم ) أي : متقن فمن اختل اعتقاده أو علمه بالأحكام وقع فيما لا ينبغي ( والعزلة في الحقيقة اعتزال الخصال المذمومة ) والاتصاف بالحميدة ، وإن اختلط صاحبها بالناس ، فمتى كان العبد بهذه الصفة كان في عزلة وإن كان بين الناس ، لأن ما يحصل بها حاصل مع ذلك لأنه حينئذ لا يضر الناس ، ولا يتضرّر بهم لعفوه عما
شرح
إذ لا تثبت النبوّات إلا بعد تحقق الإلهيات بالبراهين ثم بعد ذلك يلزمه أن يحصل من علم الفروع ما يصحح به أعماله فرضا كانت أو نفلا . ( قوله : والعزلة في الحقيقة الخ ) أفاد بذلك أن العزلة قد تكون بالأبدان والقلوب ، أو بالأبدان دون القلوب ، أو بالقلوب دون الأبدان ، وإنّ النافع منها ما كان بالقلوب سواء مع الأبدان وهو أتم أو لا والغرض له الحث على ما به الانتفاع في نفس الأمر ، وإلا فللعزلة بالبدن سر ظاهر ولا سيما في أوّل الأمر وفي زماننا هذا .
( قوله : اعتزال الخصال الذميمة الخ ) قال أبو العباس المرسي رحمه اللّه ونفعنا به :
أوقات العبد أربعة لا خامس لها النعمة والبلية والطاعة والمعصية ، وللّه عليه في كل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منه بحكم الربوبية فمن كان وقته الطاعة ، فسبيله شهود المنة من اللّه تعالى عليه أن هداه لها ووفقه للقيام بها ، ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر ، وهو فرح القلب باللّه ، ومن كان وقته المعصية فسبيله التوبة والاستغفار ، ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا والصبر إلى آخر ما قال . هذا ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أعطي فشكر وابتلي فصبر وظلم فغفر وظلم فاستغفر قالوا : ما ذاك يا رسول اللّه قال :
أولئك لهم الأمن وهم مهتدون » فتدبر . ( قوله : فمتى كان العبد بهذه الصفة الخ ) أي فالمدار على انتفاء الأخلاق الذميمة والاتصاف بدلها بالحميدة والعزلة إنما قصدت