نفر عنه ، ( والثاني ) إن ( صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم ) هذا ثمرة الأول لأن العبد إنما ينتقل عن شهواته بقوة نيته وعزمه في طاعته ، فإذا فاته ذلك صار بدنه رهينا لشهواته ، فصارت حركاته وسكناته في مصلحة نفسه وهواها ، ( والثالث ) إن ( غلبهم طول الأمل مع قرب الأجل ) لأنهم إذا أجلوا للطاعة أجلا خبسروا أنفسهم في الحال ، وقد يقطعهم الموت قبل بلوغ الأجل وإن داموا إليه تأكد تعلق قلوبهم بالشهوات ، وعسرت عليها الطاعات ، ( والرابع ) إن ( آثروا رضا المخلوقين على رضا الخالق ) لأن ذلك ناشىء من قلة الدين وضعف الإيمان بأنه لا ضار ولا نافع ولا معطى ، ولا مانع إلا اللّه ، ( والخامس ) إن ( اتبعوا أهواءهم ونبذوا ) أي : ألقوا ( سنة نبيهم صلى اللّه عليه وسلم وراء ظهورهم ) لأن ذلك من سوء الاعتقاد ، وقبح الأعمال ، ( والسادس ) إن ( جعلوا قليل زلات السلف ) رضي اللّه عنهم ( حجة لأنفسهم ودفنوا كثير مناقبهم ) هذا ثمرة الخامس وهو اتباع الهوى ، واعتقاد أنه على الحق فيما فعل أو نوى فإذا عورض من اتصف بذلك فيما هو فيه قال قد فعل ذلك من هو أفضل مني ويتمسك بقضيته في ظنه أنها زلة وليست كذلك ، ويترك كثير مناقبهم وجميل فضائلهم ، فلا يقتدي بها لكونه بعيدا عما هم فيه من الخيرات والجد في الطاعات .
شرح
( قوله : هذا ثمرة الأول الخ ) أي لأن النية إذا ضعفت صارت الأبدان رهينة للشهوات كما صرح به الشارح وإذا قويت ضعفت الشهوات ، بل قد تنعدم بإعانته تعالى فينتقل العبد من حضيض الطبيعة إلى سماء الهمة والرفعة . ( قوله : إن غلبهم طول الأمل ) أي المشار إليه بما اشتهر من طال أمله ساء عمله ومفهومه أن من قصر أمله حسن عمله . ( قوله :
والرابع إن آثروا الخ ) أي وسببه غلبة الباطل وظلمات الجهالات التي أعمت القلوب وأكثرت الغفلات وأثمرت ضعف اليقين ، والبعد عن عز التمكين . ( قوله : والخامس إن اتبعوا أهواءهم الخ ) ربما يغني عنه الأول نعم قد يقال إنه من ذكر العام بعد الخاص .
( قوله : والسادس إن جعلوا قليل زلات الخ ) أي وذلك بواسطة ظلمة بصائرهم عن تصريف الحق في خواص الخلق حيث أنه قد يؤدبهم بملابسة بعض هفواتهم ليدوموا على الانكسار بشهود الفاعل المختار ، فيزعم الغبي من الناس أن يكون له بمثل هذا استئناس بسبب غفلته عما لهم من غلبة الخيرات ، ودوامهم على جد المجاهدات مع أن الاعتبار بغالب الأحوال لا بما ندر من أحكام الأفعال . ( قوله : ويتمسك بقضيته في ظنه أنها زلة ) أي مع أنه قد يكون فيها مخرج وعلى فرض عدمه ، فقد تكون سببا لمعالي الأخلاق بما يترتب عليها من الانكسار القلبي وشهود التقصير .