تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
ما يقوم بها ( فطم النفس ) أي : قطعها ( عن المألوفات ، وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات ) فإن العبد كلما اندفع عنه الصارف والمانع سهل عليه تحصيل العمل النافع ، ولذلك قال المشايخ : الإرادة ترك ما عليه العادة ، والنفس تحتاج إلى سائق وقائد في ابتداء أمرها فالرجاء يقودها ، والخوف يسوقها فإذا استقام السائق والقائد مشت إلى الخير بسهولة ، ومتى أفرط القائد ذللها وأمنها ومتى أفرط السائق قنطها وقتلها . ( وللنفس صفتان مانعتان لها من الخير : انهماك في الشهوات وامتناع عن الطاعات ، فإذا جمحت ) أي : غلبت صاحبها ( عند ركوب الهوى يجب عليه كبحها ) أي : جذبها ( بلجام التقوى وإذا حرنت ) عليه بفتح الراء ، وضمها أي : وقفت ولم تنفد ( عند القيام بالموافقات ) أي : المأمور بها ( يجب عليه سوقها على خلاف الهوى وإذا ثارت ) أي : هاجت ( عند غضبها ) من استنقاص قدرها ( فمن الواجب ) على
شرح
طريق الإرشاد إلى سلوك طريق الحق ، فتدبره بقلبك وعض عليه بنواجذك . ( قوله : فطم النفس الخ ) أي وتقدم للجنيد التصريح بمثله حيث قال إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواها ، فلا تغفل عن حكم المتقدمين لتكون من السابقين . ( قوله : الإرادة الخ ) أقول اصطلاحهم نفعنا اللّه ببركاتهم أنهم يطلقون الإرادة ويريدون منها العبادة فعليك بخلاف العادات تنل كل المرادات . ( قوله : في ابتداء أمرها ) احترز بذلك عن زمن النهاية فإن السائق والقائد فيه إنما هو المحبة والإجلال وذلك لأن الرجاء والخوف من منازل النفس وهما معلولان زمن النهاية في نظر العارف لما يشعر أن به من عدم الاكتفاء بالقسمة لفناء مراداته في مرادات سيده . ( قوله : ومتى أفرط القائد الخ ) أي فالأولى التوسط بين درجة الإفراط ، والتفريط إذ خير الأمور أوساطها . ( قوله : وللنفس صفتان الخ ) مراده تمهيد طريق سياسة النفس لردها عن معايبها حتى تتخلق بمحاسن الأخلاق فعض عليه بالنواجذ . ( قوله : انهماك في الشهوات ) أي وهو يستدعي أنه كلما أراد العبد النهوض أخلده ، وإن نهض بالفعل أمسكه عن السير ، وإن سار منعه من الإسراع وإن أسرع ثبطه في الطريق فكلما اجتمع له رغبة فكرة فرقها جنود الشهوة ، فلا يصح ارتحاله عن عوالم طبعه إلى بساط الحق ما دام مع شهواته ، فلذلك لزم الانخلاع عنها لمن أراد القرب . ( قوله : وامتناع عن الطاعات ) عطفه على ما قبله من عطف اللازم على الملزوم ، وذلك لأن قوة الشهوات من الأسباب القوية في الإبعاد عن الخيرات . ( قوله : لجام التقوى ) هو من إضافة الصفة للموصوف ، وما أجمع ما قاله الجنيد في معنى التقوى حين سئل عنها حيث قال أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك ، واللّه أعلم . ( قوله : وإذا ثارت أي هاجت عند غضبها ) أي وإذ ثارت نيران غضبها بمقتضى الطبيعة من استنقاص قدرها أطفأها بالالتفات إلى مصدر