الأحوال ) أي : تكميلها ( فإن مقاساة الجوع والسهر ) وإن كان سديدا هو بالنسبة إلى مراعاة الأحوال ، والانتقال عن الأخلاق الذميمة ، والتخلق بالأخلاق الحميدة ( سهل يسير ومعالجة الأخلاق ، والترقي عن سفسافها ) أي : دنيئها ( صعب شديد ومن غوامض آفات النفس ركونها إلى استجلاء المدح ) لها ( فإن من تخسى منه جرعة حمل ) لأجله ( السماوات والأرضين ) مثلا ( على أشفاره ) أي : أطراف أجفانه التي ينبت عليها الهدب لأن العبد يتحمل في وقت الهوى وشدة الرغبة في المقصود ما لا يتحمله في غير ذلك الوقت لا سيما إذا غلب على ظنه أن ذلك المقصود ينقله إلى ما هو أعلى منه ( وإمارة ذلك أنه إذا انقطع عنه ذلك الشرب ) أي : نصيبه من المدح ( مال ) أي : رجع ( حاله إلى الكسل ) أي : التثاقل عن الأعمال ( والفشل ) أي : الضعف عنها ( و ) لهذا ( كان بعض المشايخ يصلي في مسجده في الصف الأوّل سنين كثيرة فعاقه يوما عن الابتكار إلى المسجد عائق فصلى في الصف الأخير ) فوجد في نفسه انكسارا وتألما فقام عنده أن سببه أن نفسه كانت فرحة بمدح الناس لها ، وملازمتها للصف الأول مرائية بذلك ( فلم ير بعد ذلك مدة فسئل عن السبب فقال : كنت أقضي صلاة كذا وكذا سنة صليتها ) في الصف الأول ( وعندي أني مخلص فيها للّه سبحانه وتعالى فداخلني يوم تأخري عن ) البكور إلى ( المسجد من ) أجل ( شهود الناس ، إياي في الصف الأخير نوع خجل ) منهم ( فعلمت أن نشاطي طول عمري إنما كان على
شرح
( قوله : ومعالجة الأخلاق الخ ) أي ولهذا قال نبي اللّه شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت وإليه أنيب فذكر لإنابة والتوكل للاستسلام كما ذكر إرادة الإصلاح للعبودية وذكر التوفيق للتبري من الحول والقوّة فافهم . ( قوله : ومن غوامض الخ ) الغرض منه الحث على التبري من شهود حسن الأعمال وحب الثناء عليه بذلك . ( قوله : فإن من تحسى الخ ) أي فينبغي الحذر من أن يكون للنفس غرض دنيء في أنواع العبادة كحسن الثناء والشهرة بها ، فيلزم إخلاص القصد له تعالى ليحظى العبد بالقبول ويدوم له التوفيق . ( قوله : حمل لأجله السماوات والأرضين الخ ) أي تحمل الأثقال العظيمة قياما بحظ نفسه مع كونه يصير هباء منثورا على أنه قد يكون السبب في هلاكه ولا حول ولا قوة إلا باللّه .
( قوله : ولهذا كان بعض المشايخ الخ ) فيه تنبيه على تمام مراعاته لأحواله وصدقه في إخلاصه وزيادة تشويقه لمثل مرغوباته . ( قوله : فعلمت أن نشاطي الخ ) أقول من ذلك يعلم أن ما وقع له إما من التأديب أو التقريب لما ذكروا من أن الظلم مثل الشهوات إذا وردت على قلب الإنسان تارة تكون طردا وتارة تكون تأديبا ، وتارة تكون تقريبا فإذا أثمرت التبري عن الحول والقوة كانت تقريبا . وإذا أثمرت إنكسارا وتذكيرا كانت تأديبا ،