التعب والفقر والشدة والسهر والذل والاستعداد للموت ، ويجمعها كلها الأخير فإنه إنما يحصل بالقيام ، وهذه الحكاية قدمها الشيخ أيضا في باب ذكر مشايخ هذه الطريقة بالسند المذكور ، ولكنه ذكر ثم بدل شيخه السلمي شيخه محمد بن الحسين وإن إبراهيم ذكر ذلك لرجل في الطواف ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه ) الأنسب بما تقدم ، وبما يأتي أن يقول وسمعته ( يقول : سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول : من كرمت عليه نفسه ) ووافقها فيما تحب من الشهوات ، وترك مشقة الطاعات ( هان عليه دينه ، وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام ) أي : أو نحوها ( أنا جائع فألزموه السوق وأمروه بالكسب ) له أي : بأن يكتسب لنفسه ، نبه بذلك على أن العبد لا يعرض نفسه إلى الطلب من الناس بترك التكسب ، وإن كان قليل الصبر على الجوع ( واعلم أن أصل المجاهدة وملاكها ) بفتح الميم وكسرها وهو
شرح
( قوله : ويجمعها كلها الأخير ) أي ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم « أكثروا من ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله ، ولا في قليل إلّا كثره » « 1 » . ( قوله : فإنه إنما يحصل الخ ) اعلم أن اللّه تعالى غني عنك فطاعتك لك وحيث كان كذلك وجب أن لا تقصر فإن ساعدك القدر على ذلك ، فالأمر ظاهر ، وإلا فلا تيأس من رحمة مولاك لأن ذلك قادح في يقينك كما قال صاحب الحكم من استغرب أن ينقذه اللّه من شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته ، فقد استعجز القدرة الإلهية قلت ، وذلك لأنه حينئذ قد استثنى منها شيئا هو صلاح حاله واللّه أعلم .
( قوله : من كرمت عليه نفسه الخ ) أي فالذي ينبغي خلافها فيما تشتهي وتهوى ليتم لها النعيم بالشفاء من أمراضها المردية لها . ( قوله : إذا قال الصوفي الخ ) الغرض الحث على تقوية العزائم على تحمل المشقات في طريق السير إليه تعالى إذ المعونة على قدر المؤونة ، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم . ( قوله : واعلم أن أصل المجاهدة الخ ) أقول لا تستصعب ذلك في نفسك بحسب ما استرسلت فيه من حظوظك قال تعالى :وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً[ الكهف : 45 ] إذ من جملة اقتداره تبديل أخلاقك الذميمة بغيرها حميدة فإنه قد فعل ذلك بجماعات من الخلق كإبراهيم بن أدهم ، وفضل بن عياض وبشر الحافي وعبد اللّه بن المبارك وأبي بكر الشبلي وذي النون المصري وغيرهم فانظر حكاياتهم ، فإنها عون لك فأكثر اللجأ إلى اللّه تعالى فيما عسر عليك من قياد نفسك موقنا بأنه المالك لصلاح شأنك ، وتوفيقك وتسديدك ، ولا تيأس من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء واللّه أعلم . ( قوله : واعلم الخ ) أقول ما ذكره يشبه أن يكون من جوامع الكلم في
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( قيامة 26 ) ( زهد 4 ) والنسائي ( جنائز 3 ) وابن ماجة ( زهد 31 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 293 ) .