ولمدح الناس لها على ذلك فشبهته بالزنار الباطن ، وهو العجب بالعمل أو بمدحه ، فعملت في قطعه خمس سنين ، ثم نظرت في الخلاص من ذلك ، فوجدت الطريق فيه أن يغلب على قلبي حال انفراد الحق تعالى بالأفعال وهو أنه لا ضار ، ولا نافع ولا معطي ولا مانع إلا هو فشبهت غيره من الخلق بالموتى ، فكبرت عليهم أربع تكبيرات ، ونفسي منهم ، فعاش رحمه اللّه بذلك الحياة الحقيقية التي أحياه اللّه بها ، وشغله به عمن سواه . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ) رحمه اللّه ( يقول :
سمعت أبا عباس البغدادي يقول : سمعت جعفرا يقول : سمعت الجنيد يقول :
سمعت السري ) السقطي ( يقول : يا معاشر الشباب جدوا ) أي : اجتهدوا في العبادة ( قبل أن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتقصروا ) عنها ( كما ضعفت وقصرت ) عنها ( وكان )
شرح
اجعلني مكان همك أكفك كل همّ ما كنت بي فأنت في محل القرب ، وما كنت بك فأنت في محل البعد فاختر لنفسك أو كما ورد . ( قوله : فشبهت غيره الخ ) أي بسبب غلبة هذا الحال عليه من أن الخلق محل لتصريف الحق في نفس الأمر وإلا فنسبة النفع للخلق ثابتة بحكم الشرع كما قدمنا . ( قوله : فكبرت الخ ) منه يفهم أنه شرع في مقام الجمع بعد أن تحقق بحق الفرق واللّه أعلم . ( قوله : ونفسي منهم ) أي لكونها في هذه الحالة متحققة بمقام الوجود به تعالى . ( قوله : يا معاشر الشباب الخ ) أقول وجه حثه على الجد في العبادة تابع لما قيل إنه لما علم الحق أن من ينهض لمعاملته دون تنبيه ، ولا تأكيد من العباد قليل وإن أكثر الخلق إنما يطلب الدنيا ، ويميل مع الهوى عزم لهم بالإيجاب ليكون حجة للعاقل وحجة على الغافل ، فلزمهم ذلك طوق أعناقهم كالسلاسل ، قال صاحب الحكم : فساقهم إليها بسلاسل الإيجاب قلت : فقد أشار إلى وجوه ثلاثة عدم الإنفكاك بكل حال وكونها قائدة وسائقة وتوصيلها لعين المراد لا من حيث تعلقت به ، فافهم واللّه أعلم . ( قوله : جدوا في العبادة الخ ) أي وذلك بتكليف النفس وإخراجها عن عادتها فالشرع لا يجيء إلا بخرق العوائد ، ومن ثمة ضل أهل الزيغ بسكونهم إليها قال تعالى :وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا[ المائدة :
104 ] فعلى العبد تعديل أوصافه لروحانيته بعد تعديله لأوصاف حيوانيته ، فالنفس باعتبار أوصافها الحيوانية من الشهوة والغضب أمارة بالسوء ، فإذا ارتفعت عنها إلى الأوصاف الإنسانية تصير لوّامة فإذا انخلقت بالأخلاق الروحانية صارت مطمئنة قال سيد الخلق صلى اللّه عليه وسلم « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به » « 1 » . ( قوله : وكان هو في ذلك السن
هامش
( 1 ) أخرجه البغوي في ( شرح السنة 1 / 213 ) والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 167 ) وابن أبي عاصم في ( السنة 1 / 12 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 1084 ) وابن حجر في ( فتح الباري 13 / 289 ) والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 4 / 369 ) .