الصفار قال حدثنا العباس بن الفضل الأسقاطي قال : حدثنا ابن كاسب قال : حدثنا ابن عيينة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أفضل الجهاد فقال : « كلمة عدل عند سلطان جائر » « 1 » فدمعت عينا أبي سعيد ) فإن قلت روى البخاري خبر : « إن أفضل الأعمال الإيمان ، ثم الجهاد » وخبر :
« إن أفضلها الصلاة لوقتها » ، قلت الأجوبة مختلفة في أوقات فأجاب في كل منها بما هو الأفضل في حق السامع ، فمن ظهر منه قلة الكلام في العدل عند السلطان قال له : أفضلها كلمة عدل عند سلطان جائر ، ومن ظهر منه قلة إيمان قال له أفضلها الإيمان ومن ظهر منه قلة صلاة قال له : أفضلها الصلاة ومجاهدة كل أحد تكون بقيامه بحقوق ما أقيم فيه من أمرية وتحابب في اللّه وتعلق قلبه في المساجد وغير ذلك ، فالأمير يقوم بما يتعلق به من حقوق الناس ، والمتحابون في اللّه لا يصح لهم الحب فيه حتى تزول عنهم محبة الدنيا بالكلية ، ويؤثر كل منهم صاحبه بما أمكنه
شرح
الصلاة لوقتها ومحصل قوله قلت إن الأجوبة مختلفة باختلاف أحوال السائل ، فأجاب كلا بما هو الأولى في حقه . ( قوله : قلت الأجوبة الخ ) محصل ذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم لما كان طبيبا روحانيا بعثه اللّه رحمة للعالمين ، وفيهم مرضى بأمراض مختلفة فقد داوى كل إنسان بحسب ما يوافق علته وجزاه اللّه تعالى عن أمته أفضل الجزاء .
( قوله : ومجاهدة كل أحد الخ ) محصله أن الأهمّ من أنواع المجاهدة فيما أقيم فيه العبد من تصاريف الحق في الحال فعليه القيام بحقوق ما أقيم فيه من حقوق الحق وحقوق الخلق . ( قوله : من زين ظاهره الخ ) اعلم أن حكمة الحكيم قد اقتضت أنه إذا قطع مدد الشهوة المذمومة عن النفس بالمجاهدة أشرق القلب وعوالمه ، انكشفت له الحقائق وأمطرت عليه من سماء الفضل غيوث المعارف ، فيذوق لذة لم يدركها قبل ذلك ويباشر راحة لم ينلها إلا من هنالك ، ويتصل به المدد المحمدي فيظل عند ربه يطعمه من أقوات العرفان ، ويسقيه من شراب المحبة فتسترق النفس السمع فتحن إلى الألحان ومفاكهة الندمان ، ويسترق الطبع من الطبع ، فيرجع إلى أحكام صحو الشرع وبعبارة أخرى يقال أيضا إن بالمجاهدة ورد النفس عن عاداتها ترجع إلى صحبة القلب بعد نفرتها منه بمقتضى شهواتها ، عسى اللّه أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتهم منهم مودّة واللّه قدير ، واللّه غفور رحيم ، فإذا ذاقت النفس من اللذائذ الملكوتية ما لم يخطر لها ببال ولم تذقه من اللذائذ الحسية الملكية صارت تطلب السبب الذي يوصلها إلى زيادة هذه اللذة ،
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ( ملاحم 17 ) والترمذي ( فتن 13 ) والنسائي ( بيعة 37 ) وابن ماجة ( فتن 20 ) وأحمد بن حنبل ( 3 ، 19 ، 61 ، 4 ، 314 ، 315 ، 5 ، 251 ، 256 ) .