الصدر الأوّل ( حمل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت ربي ليلة المعراج في أحسن صورة » « 1 » أي :
أحسن صورة رأيتها تلك الليلة ) من رؤيتي صورة الملائكة والأنبياء وغيرهم على ما هم عليه ( لم تشغلني ) تلك الرؤية ( عن رؤيته تعالى بل رأيت ) في تلك الحالة ( المصوّر في ) حال ( الصورة ) التي رأيتها ( والمنشىء في ) حال ( الإنشاء ) الذي رأيته ولم أشتغل بالصورة ، والإنشاء ( يريد بذلك رؤية العلم لا إدراك البصر ) وهذا الطريق المذموم يستغنى عنه بأفضل العبادات وهي الصلاة ، فإنّ الداخل فيها يجد ما يجده من ذلك الشخص بأن يمتحن فيها نفسه هل هو مشغول فيها برؤية ربه ، وكمال مناجاته ، أو مشغول بصورتها متفكر في سوء عاداته وشهواته ، وأمّا ما حملوا عليه الخبر مما ذكر فبعيد إذ لا خصوصية له صلى اللّه عليه وسلم بذلك في تلك الليلة على سائر أحواله في الأرض ، فإنه في سائرها ناظر إلى ربه لا يشغله شيء من الصورة الجميلة عنه بل إن صح الخبر ، فمحله أن رؤيته صلى اللّه عليه وسلم لربه كانت في أحسن صورة هو عليها لأنه تعالى
شرح
تغفل . ( قوله : حمل قوله صلى اللّه عليه وسلم الخ ) أقول ما درج عليه المؤلف في تفسير هذه الجملة دعاه إليه اعتبار حال الوجود المفيد وإلا فلو خرجه على حالة الوجود المطلق لم يحتج إلى ما ذكره إذ الكائنات بأسرها كانت في غيب الغيب بإشارة خبر : « كنت كنزا مخفيا » ، فلما اقتضت الحكمة العلية إفاضة المظاهر على الأسماء والصفات كان ما كان بسر أن أعرف ، فافهم ولا تكن أسير التقليد قال تعالى :لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ[ الطلاق : 7 ] من اتسعت عليهم أرزاق العلوم والمعارف هم الواصلون قد أنفقوا على قدر ما وصل إليهم ، وذلك بحكم وقتهم ومن قدر عليه رزقه هم السالكون أنفقوا بحسب ما وصل إليهم ، وذلك حكمهملا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة :
286 ] وفضل اللّه مرجو للجميعسَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً[ الطلاق : 7 ] فافهم .
( قوله : بل رأيت في تلك الحالة المصوّر الخ ) أي رأيت الخالق والموجد في حال الصور على معنى أنه لم يقف مع الصور ، بل شهد في حال رؤيتها أنها قائمة بالحق ، فلم يشهدها في حالة الغفلة عمن أوجدها ، ولذا قال : يريد بذلك رؤية العلم أي الذي هو مصباح القلوب تمشي به في ظلمة الأغيار فيرى المنافع والمضار ، ويبصر الحق والحقيقة ، ثم ذلك الإبصار يوصل إلى الإيمان وبه ينتهي إلى درجة العرفان حتى يصل إلى مقام الإحسان ، ولذا قال كعب : من أراد خير الدنيا والآخرة فليكثر من الفكر .
( قوله : يستغنى عنه الخ ) أي مع ما فيه من خطر من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . ( قوله : كانت في أحسن صورة ) أي حالة من حالاته صلى اللّه عليه وسلم حيث أقدره الحق على
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي عاصم في ( السنة 1 / 204 ) .