أمر من أمور آخرته فيوجب له فكره قبضا مثلا ، ثم ينسى ذلك ويحس القبض ، وقد لا يترتب على سبب بل ينشئه الحق في قلب العبد تنبيها على ما كان أو ما يكون من قبض وبسط وسرور ، وفرح وغيرها . ( ثم قد يكون ) من الواردات ( وارد من الحق ) تعالى ( ووارد من العلم ) إذا تقرّر ذلك ( فالواردات أعم من الخواطر لأنّ الخواطر تختص بنوع الخطاب أو ما يتضمن معناه ) كما مرّ في مبحثها بخلاف الواردات ، ومن الوارد الذي لا يعرف صاحبه سببه حين وروده ما جرى للجنيد رحمه اللّه أنه قال :
قمت ليلة إلى وردي فوجدت قبضا ، ولم أقدر على الصلاة فأردت أن أقرأ القرآن ، فلم أستطع ففتحت باب الدار ، وخرجت ليزول ما أجده ، فإذا برجل ملفوف في عباءة مطروح في الطريق فلما أحس بي قال لي إلى الساعة يا أبا القاسم ، فقلت : يا سيدي من غير موعد فقال : بل ولكن سألت محرّك القلوب أن يحرّك قلبك فقلت :
قد فعل فما حاجتك فقال : متى يكون داء النفس دواها فقلت : إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواها فقال لنفسه : قد سمعت وقد أجبتك بهذا سبع مرّات ، فأبيت
شرح
وقد تقدّم ذلك أيضا . ( قوله : ثم قد يكون الخ ) أي فوارد العلم دون وارد الحق إذ وارد العلم يوجب الفرح والسرور وطلب المزيد ووارد الحق يوجب التوجه بمحض المحبة ، وحق العبودية وشكر المنة لا لجلب ولا لدفع ، إذ هو في استشعار شكر النعمة ، والاستغراق في المنة ، ولهذا أشار صاحب الحكم حيث قال من عبده لشيء يرجوه منه أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه فما قام بحق أوصافه ، أقول لأنها تقتضي أن يطاع اللّه ، فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى لا لعلة ، ولا لسبب بل لحق ربوبيته ، وواجب العبودية له وسابق إحسانه وكرمه ، فالعمل على الأغراض والأعواض إساءة أدب ، واللّه أعلم .
( قوله : ووارد من العلم ) متى يكون داء النفس دواءها الخ أقول تأمّل يا أخي بعين الاستبصار ، فإن الشمس لا تخفى في رابعة النهار تجد أسباب الوصول في طرح رجس الفضول مما جبلت عليه النفوس الخبيثة بتحسينها لمألوفاتها الخسيسة الراجعة بالفائدة على الأجسام مع هلاك الأرواح على الدوام ، ومع قلة المعيشة الدنيوية ، ودوام الحياة الأخروية مع أنه لا يصح إيثار الفاني على الباقي ، بل الأليق أن يستعد لهول ما يلاقي ، وذلك بعلاج هذا الداء العضال بخلاف النفس لنيل الإفضال ، فإن الخير كله في خلافها ، والشر جميعه في ائتلافها ، وتأمّل إشارة سائل الجنيد حيث عرج على بيت القصيد بواسطة ما منح من الحكمة القلبية ، والتطبب بالطريقة الأحدية بالاستمداد بالأنوار المحمدية ، والمعاملات الأحمدية ، وتدبر جواب المسؤول حيث هو من عين المعارف الإرشادية ، وحقيقة الحقيقة الإلهية عسى أن توفق لمثل هذا العلاج فتشمر عن ساعد الاجتهاد لتندرج في المقرّبين وتعد من المحبين المحبوبين ، واللّه أعلم .