علي الدقاق رحمه اللّه يقول قولك إياك نعبد حفظ للشريعة ) من حيث أن العبد أضاف العمل إلى نفسه ورأى أنه عامل ، ( وإياك نستعين اقرار بالحقيقة ) من حيث تبرؤه من القيام بشيء من عبادته وافتقاره فيها إلى عون ربه ( واعلم أن الشريعة حقيقة من حيث أنها وجبت بأمره والحقيقة أيضا شريعة من حيث أن المعارف ) أي معرفة العارفين به سبحانه ( أيضا وجبت بأمره ) وذلك لأن الشريعة يغلب فيها حال مراعاة الأوقات والأعمال الموصلة إلى الخيرات التي منها رؤية خالق الأرض والسماوات ، والحقيقة يغلب فيها حال الإيمان على القلب حتى يصير مشاهدا بقلبه لربه ، فلما كانت الأعمال الغالبة في الشريعة لا تصح إلا بالتوحيد والإيمان كانت كل شريعة حقيقة أي : هي غرتها ، ولما كان الإيمان الغالب في الحقيقة مطلوبا شرعا كانت كل حقيقة شريعة ، وإنما وقعت التفرقة بينهما بالنظر للغلبة في حال العابد والعارف ، ولما كان العابد يغلب عليه الوقوف مع الأعمال واتقانها وإخلاصها سمي صاحب شريعة ، ولما كان العارف يغلب عليه حال الحق ، ويرى أن جميع ما هو فيه من فضله سمي صاحب حقيقة فقد تبين أن بينهما اجتماعا وافتراقا بالاعتبار .
ومن ذلك النفس بفتح الفاء ( النفس ترويح القلوب بلطائف الغيوب ) لأن النفس إنما هو ترويح
شرح
والفوائد ، وغيرها مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين في هذه الدار ، وفي تلك الدار والعذاب ، وإن تنوّعت أنواعه ، فإنما هو بالحجاب قال في التنوير ولو أنّ الحق سبحانه تجلى لأهل النار بجماله ، وكماله لغيبهم عن إدراك العذاب كما أنه لو احتجب عن أهل الجنة ما طاب لهم نعيم فافهم . ( قوله : والطريقة أن تقصده ) أي يقطع علقك عن الكائنات بأسرها . ( قوله : يقول قولك إياك نعبد الخ ) الغرض له نفعنا اللّه به بيان المقامين الشريفين مقام الفرق الحافظ للشريعة ، ومقام الجمع المحقق للحقيقة لأجل العمل عليهما ، والتحلي بنعتهما .
( قوله : واعلم أنّ الشريعة الخ ) محصله أن وحدتهما باعتبار رجوع كل إلى مظاهر الأمر وذلك على حسب وحدة الآمر ، ثم ويحتمل أن رجوع كل للآخر باعتبار أن العبادة على وفق الشريعة توصل إلى شهود التوحيد القلبي بقوّة الإيمان ، فالحقيقة حينئذ ثمرة الشريعة ، والإيمان القلبي الذي هو معنى الحقيقة مأمور به شرعا فرجعت بهذا الاعتبار الحقيقة إلى الشريعة كما أشار إلى ذلك الشارح ، فتأمّله .