أوقاتهم لئلا يضيع عليهم فمن غلب عليه شغله بالأولى به في وقته سمي صاحب وقت ، ومن توالت عليه أحواله المتوالية على قلبه وهو حامل لها متأدب مع الحق فيميز عليه منها سمي صاحب حال ، ومن تنفس وروح قلبه بما وهبه الحق له من لطائف غيبه وإكرامه سمي ، صاحب نفس . ( فكأن صاحب الوقت مبتدىء وصاحب الأنفاس منته وصاحب الأحوال بينهما فالأحوال وسايط والأنفاس نهاية الترقي ) والأوقات بداية ( فالأوقات لأصحاب القلوب ، والأحوال لأرباب الأرواح والأنفاس لأهل السرائر وقالوا ) أي : الصوفية ( أفضل العبادات عد الأنفاس مع اللّه تعالى ، وقالوا : خلق اللّه تعالى القلوب وجعلها معادن للمعرفة ) به ( وخلق الأسرار وراءها ) أي : بعدها ( وجعلها محلا للتوحيد فكل نفس حصل من غير دلالة المعرفة ، وإشارة التوحيد على بساط الاضطرار ) إلى قضاء الوطر ( فهو ميت وصاحبه مسؤول عنه .
سمعت الأستاذ أبا علي ) الدقاق ( رحمه اللّه يقول : العارف لا يسلم له النفس لأن لا
شرح
( قوله : فالأوقات لأصحاب القلوب ) أي لكونهم قد ابتدؤوا قصد التوجه والسير إلى الحق تعالى مع بقائهم على الرسوم الخلقية لعدم فناء أنفسهم ، وقوله : والأحوال لأرباب الأرواح أي ممن ترقى بفنائه عن النفس الأمّارة ، وتحقق بالنفس اللوّامة ، فهم من التائبين قال تعالى :فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ[ البقرة : 54 ] وقوله : والأنفاس لأهل السرائر أي الذين قد فنيت منهم النفوس ، وشاهدوا جمال الحق القدّوس ، ووصلوا إلى مقام الطهارة ، ولذا قد تنفسوا بفائق العبارة ، ومعالي الإشارة واللّه أعلم . ( قوله : أفضل العبادات عد الأنفاس مع اللّه تعالى ) أي لأن شأن أربابها أنهم يحاسبون أنفسهم على أنفاسهم فيم خرجت ، وفيم عادت وإنما كانت هذه أفضل العبادات لكونها توجب الحرص على أنواع الطاعة ، والخوف من الفوت والإضاعة . ( قوله : وجعلها معادن للمعرفة به ) أي حيث هي منشأ الإيمان ومنبع الإيقان وقوله بعد : وجعلها محلا للتوحيد أي الذي هو شهود الكثرة في عين الوحدة ، فصاحب هذا المقام يشهد الخلق بالحق ، وقوله : فكل نفس الخ أي لأنّ شرط صاحب النفس قطعه لجميع المقامات التي هي طريق الوصلة إلى الحق ، فإذا تنفس قبل هذه المرتبة كان كالميت ، بل هو أسوأ حالا من الميت لأنه حينئذ متشبع بما لم ينل واللّه أعلم . ( قوله : العارف لا يسلم له النفس ) أي ولذلك يقال في معنى قوله جل ذكره :وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ[ الحج :
47 ] أن المراد وإن يوما عند ربك تكون فيه مشاهدا مقرّبا فذلك اليوم من هذه الحيثية كألف سنة خلت عن ذلك ، بل أكثر ومن ذلك قيل العمر الطويل ما كان في الطاعة ولو نفسا والقصير ما كان في غير ذلك ، وإن طال به المدى واللّه أعلم .
( قوله : لا يسلم له النفس الخ ) أي لا يسلم له ضياعه في غير الطاعة ، وذلك لأن