واحدا من تلامذته بإقباله ) الزائد ( عليه فقال أصحابه له في ذلك ) أي : سألوه عن سببه ( فدفع إلى كل واحد منهم طيرا ، وقال إذبحوه بحيث لا يراه أحد ، فمضى كل واحد منهم ) إلى مكان ( وذبح الطير ) الذي معه ( بمكان خال وجاء هذا الإنسان والطير معه غير مذبوح فسأله الشيخ فقال أمرتني أن أذبحه بحيث لا يراه أحد ولم يكن موضع إلا ، والحق سبحانه يراه ) فلم يمكني ذبحه ( فقال الشيخ لهذا أقدم هذا عليكم ) إذ ( الغالب عليكم حديث الخلق ) فيغلب عليكم الغفلة عن الحق ( وهذا غير غافل عن الحق ) تعالى ( ورؤية القرب ) من اللّه ( حجاب عن القرب ) لأنه إذا رأى قربه منه فقد رأى غيره ، فكمال قربه أن يشتغل بربه عن قربه منه ( ومن شاهد لنفسه محلا أو نفسا ) بفتح الفاء ( فهو ممكور به ) مغرور به ( ولهذا قالوا : أوحشك اللّه من قربه أي : من شهودك لقربه ) أي : لقربك منه يعني شغلك اللّه به شغلا حتى لا تجد لقربك منه أثرا ( فإن الإستئناس ) أي : استئناس العبد بقربه من اللّه ( من سمات ) أي : علامات ( العزة به ) وبعده من الحق ( إذ الحق سبحانه وراء ) أي : أمام ( كل أنس وإن مواضع الحقيقة ) أي : موجباتها ( توجب الدهش ) أي : التحير ( والمحق ) أي : يوجب دهشك بالحق ومحقك عن غيره ( وفي قريب من هذا قالوا : محنتي فيك أنني . ما أبالي بمحنتي )
شرح
بحسب تفاوت المراتب في المراقبات فالعبد إذا زادت مراقبته لمولاه زاد قربه منه واللّه أعلم . ( قوله : ورؤية القرب الخ ) المراد الحث على التبري من شهود النفس وما لها من الأحوال والمقامات رجوعا إلى صفة الفضل له سبحانه وتعالى . ( قوله : ومن شاهد لنفسه محلا الخ ) أقول ، ومن ذلك الإنس بنور الواردات إذا انبسطت أنوارها في عوالم القلوب ، وأودعت أسرارها بكل أمر محبوب ، لأن ذلك جهل ونقص ظاهر ، أما الجهل ، فلأن أوقات الصفاء لا تدوم فمن ظنّ دوامها فهو أحمق ومغرور ، وإنما تدوم أوقات الوفاء وعليه عمل الأكابر دون الحركات والأحوال ، وأما النقص فلأن الأنس بالواردات بعد عن الحق ، وذلك مرجوع بكل حال فافهم . ( قوله : فإن الاستئناس الخ ) مراده أن الاستئناس بقرب الحق المذموم هو الذي يقف العبد معه ويستحسنه ، ويكتفي به عما وراءه ، فالعبد الكامل الموفق من قصر قصده عليه تعالى ، ولم يشغله عنه حال ولا مقام .
( قوله : وراء كل أنس ) أي يثبت من قبل النفس . ( قوله : وإن مواضع الحقيقة ) أي منازلاتها توجب الدهش أي اختلاط الفكر والحيرة وذلك ينافي الإستئناس بكل شيء .
( قوله : وفي قريب من هذا الخ ) أي فحقيقة القرب لا تعمّ إلا بالفناء في ذات الرب سبحانه وتعالى ، وللّه در من قال :كانت لقلبي أهواءه موزعة * فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي
تركت للناس دنياهم ودينهم * شغلا بحبك يا ديني ودنيائي