عليه النعم والالطاف في سائر حركاته . ( فقرب العبد أوّلا ) من الحق ( قرب بإيمانه وتصديقه ، ثم قرب بإحسانه وتحقيقه ، وقرب الحق سبحانه من العبد ما ) أي : بما ( يخصه اليوم ) أي : في الدنيا ( به من العرفان وفي الآخرة ما ) أي : بما ( يكرمه به من الشهود والعيان وفيما بين ذلك ) أي : في أثنائه الشامل له ما ذكر ( من وجوه اللطف والامتنان ) عليه ( ولا يكون قرب العبد من الحق إلا ببعده من الخلق وهذا ) القرب ( من صفات القلوب دون أحكام الظواهر والكون ) أي : الوجود من القرب بالأبدان لإستحالته في حقه كما مر وكما سيأتي . ( وقرب الحق سبحانه ) من العبد يكون بالعلم والإحاطة وغيرهما كالحفظ وتوالي فضله على خلقه فقربه منه ( بالعلم والقدرة عام للكافة ) من الخلق ( وباللطف والنصرة خاص بالمؤمنين ثم ) أي : قربه منه ( بخصائص التأنيس ) به تعالى ( مختص بالأولياء ) فقربه من العبد كقرب العبد منه متفاوت الرتبة ، ومع ذلك فقربه من العبد إنما هو بالنسبة لشيء من ذلك لا بالنسبة للأبدان كما تقرّر . ( قال اللّه تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
[ الواقعة : 85 ] ) أي : بالعلم ( وقال ) تعالى ( ونحن أقرب إليه ) أي : بالعلم
مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ ق :
16 ] وقال ) تعالى ( وهو معكم ) أي : بالعلم ( أينما كنتم وقال ) تعالى (
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
[ المجادلة : 7 ] ) أي : بعلمه ( ومن تحقق ) الوصول ( بقرب الحق ) منه ( فأدونه دوام مراقبته إياه لأنه عليه رقيب التقوى ، ثم عليه رقيب الحفاظ ) له ولأفعاله ( و ) رقيب ( الوفاء ) بما عوهد عليه ( ثم رقيب الحياء ) من الوقوع فيما لا يليق ، وإذا وصل العبد إلى دوام مراقبته لربه واشتدّ حياؤه منه حتى لا يخرج عن
شرح
( قوله : وقرب الحق سبحانه الخ ) محصله أنه في الدنيا بإشراف العبد على مظاهر الأسماء والصفات ، وفي العقبى بكشف الحجب عن الذات . ( قوله : ألا يبعد من الخلق ) أي لأنه لا تستوي الظلمات والنور فعلى حسب البعد عن الخلق يكون القرب من المولى الحق . ( قوله : وهذا القرب من صفات القلوب ) أي وذلك لكونه من المعاني لا من حقيقة التداني . ( قوله : وقرب الحق سبحانه الخ ) محصله أن قربه تعالى من الخلق يختلف باختلاف أحوالهم قوّة وضعفا بحسب سابق القسمة الأزلية .
( قوله : ثم قربه منه بخصائص التأنيس الخ ) أي وإمارته الوحشة من الخلق والأنس بالرب الحق . ( قوله : إنما هو بالنسبة الخ ) أي فهو بمظاهر أسمائه وصفاته تعالى . ( قوله :
قال اللّه تعالى ) الغرض الإستدلال على ما قدّمه من أن قرب الحق من الخلق يختلف بحسب استعدادهم . ( قوله : فأدونه ) أي فأقل درجات القرب يتحقق برعاية الحفظاء ، وذلك بقيامه على نفسه بما يخص وظائف أوقاته . ( قوله : دوام مراقبته إياه ) أي في أداء ما افترض عليه مع حفظ الجوارح الظاهرة ، والباطنة من غوائلها باستيفاء حظوظها حتى