الأوقات بعبادته ، وأما العبد ) منه ( فهو التدنس ) والتلطخ ( بمخالفته تعالى والتجافي ) أي : البعد ( عن طاعته فأوّل البعد بعد عن التوفيق ثم بعد عن لتحقيق بل البعد عن التوفيق ) في الحقيقة ( هو البعد عن التحقيق ) بالنسبة إليه تعالى . ( وقد قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ) في الخبر الصحيح ( مخبرا عن الحق سبحانه ما تقرّب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ، ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى يحبني وأحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ) ويدا ورجلا ، وروي : « كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها » ( فبي يبصر وبي يسمع الخبر ) بنصبه أي : ذكر الخبر ويجوز رفعه وجره ففيه إشارة إلى أن قرب العبد من ربه إنما هو بطاعاته وأوّله القيام بالواجبات والبعد عن المحرمات ، ثم القيام بالمندوبات والكف عن المكروهات والشبهات ، ثم القيام بملازمة أفضل المندوبات ، فإذا تعالت درجته ودامت مراقبته لأحكام ربه انتقلت همته إلى مقام الإحسان ، وهو مقام المقربين وهو رؤية ربه في سائر الحركات والسكنات ، فإذا دام ذلك عليه أحب مولاه لما رأى من توالي إحسانه إليه وإذا أحبه تزايد أدبه معه ، وحينئذ يكون في أعلى مراتب القرب فيحبه مولاه ويسبغ عليه نعمه وألطافه ، ويجري عليه كراماته وهذا هو المراد بقوله : كنت سمعه الخ إذ ظاهره غير مراد قطعا ، فالمراد إني أحفظه وأسبغ
شرح
بمخالفته تعالى ) واعلم أنه لا فرق في طريقة الصوفية في تحقق المخالفة بين كبير الذنوب وصغيرها يعني أنهم لا يقولون بصغير من الذنوب ، وكأنهم نظروا لعظمة المخالف وهو الحق تعالى .
( قوله : بعد عن التوفيق ) أي ومن المعلوم أن المعاصي بريد للكفر والعياذ باللّه تعالى . ( قوله : كنت له سمعا وبصرا الخ ) المعنى كنت حافظا له ذاتا وصفة ولذا عبر بالسمع والبصر وهما من الصفات ، وباليد والرجل وهما من الجوارح . ( قوله : تزايد أدبه معه ) أي زادت مجاهداته على طريق المتابعة له صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : فقرب العبد أولا الخ ) اعلم أن طلب الوصلة والقرب سببه غيبة العبد عن مولاه إذ لو كان حاضرا معه لشاهده قربه ، وما التفت لغيره فضلا عن طلب القرب منه غير أنه أقبح من ذلك طلب الوصلة بغيره تعالى لأنّ سببه عدم الحياء منه سبحانه ، فإنه لو استحى منه لما كان يلتفت إلى غيره فضلا عن كونه يراه أهلا لذلك فذوو الهمم العالية لعلمهم بأنّ الأمور كلها بيده ، وقدرته تعالى عكفت عليه هممهم وبالجملة ، فالطلب كله معلول إلا ما كان من شاهد علم المتابعة . ( قوله : قرب بإيمانه وتصديقه ) عطف التصديق على الإيمان للتفسير ، وقوله : ثم قرب بإحسانه أي بأداء العبادة مع المراقبة فيها بغاية الإخلاص الذي هو تحقيق الحق عند العبد حضورا ثم كشفا ثم شهودا ثم عيانا .