تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
( مصرف في التحقيق ) من حيث أن الحق وفقه وغيبه عن شهود غيره ( قال اللّه تعالى
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً )
[ الكهف : 18 ] أي : لأن أعينهم مفتحة ( وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) لئلا تأكل الأرض لحومهم ( وباللّه التوفيق ومن ذلك القرب والبعد ) من اللّه ومن العبد لا بالأبدان كما سيأتي لإستحالته عليه تعالى ، بل لما أخذ في بيانه بقوله ( أوّل رتبة في القرب ) من اللّه ( القرب من طاعته والإنصاف في دوام
شرح
الخلق اعتبارا بظاهر الحال ، وهو مصرف بالحق في تحقيق المقال . ( قوله : قال اللّه تعالى ) دليل لما قبله من قوله اللهمّ الخ .

[ ومن ذلك القرب والبعد ]

( قوله : ومن ذلك القرب والبعد ) أقول القرب على وجوه ثلاثة أوّلها قرب الكرامة ، وهو من الحق إلينا وآيته مشاهدة قرب الحق منا وإحاطة علمه بنا والثاني قرب الإحاطة بالعلم ، والقدرة والإرادة ، وهو قرب الحق من كل موجود قال تعالى :وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[ ق : 16 ]وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ[ الواقعة : 85 ]وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ[ الحديد : 4 ] إلى غير ذلك ، والثالث قرب المسافة والنسب ، والمداناة ، وهو قرب الأجسام وسائر المحدثات تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، فحينئذ المراد بالقرب المراقبة حتى لا يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك فافهم . ( قوله : أوّل رتبة في القرب ) أقول في بيان هذا المقام على طريق ذوق الأحكام أن أوّل الدرجات تشخيص أحكام المتابعات بالتلقي من شيخ ناصح والتعليم بالدليل الواضح ، ثم إذا أحكم التعلم ، وأتقن التفهم شمر عن ساعد الجد والإجتهاد وعمر الوقت بعبادة رب الإسعاد مهتما بأداء المفروضات بعد إسباغ ماء الطهارات وتخليص الباطن من القاذورات بأفراد المعبود بمحاسن النبات ، فهذا أوّل القرب من منهل شراب الحب ، ثم إذا أراد فتح الباب ، والدخول في حظائر الأحباب يبادر بفعل المندوبات في أشرف أوقات التهجدات ليتعرّض لتنزل الرحمات ، فإذا ثبتت في ذلك أقدامه ، ولذ له في المكابدة إقدامه أشرقت أنوار الإله على سره وتوالت بالواردات على قلبه ، فلا يشهد حينئذ إلا المعبود ، ولا يعول إلّا على المقصود ، فحينئذ يصل إلى مقام الإحسان ، ويكرع من رائق شراب الدنان ، هذا معنى قرب العبد من الرب ، وتحليه بنعوت الهائم الصب ، وتحقيق محبة اللّه للعبيد وتوفيقه إياهم لدوام التسديد ، وإفراغ أنوار الرحمات في أشرف أنواع التجليات حتى يفنى الفاني في القديم ، وتتمكن الروح في مقام التعليم ، فيكون قوله بالحق وفعله بالصدق محفوظا في جميع الحركات والسكنات عن ملابسة شيء من العادات المألوفات ، وهو معنى : « كنت له سمعا وبصرا » ، فيما ثبت في بعض القدسيات ، واللّه أعلم . ( قوله : القرب من طاعته ) أي على معنى ملازمتها والاهتمام بوظائفها في أوقاتها المحدودة ، أو غير المحدودة كما أوضحه قوله والاتصاف في دوام الأوقات بعبادته . ( قوله : فهو التدنس