المقامات التي يرومون بلوغ كمالها كالزهد والتوكل والرضا والتسليم والمحبة وهي ( متقاربة المعنى لا يكاد يحصل بينها كبير فرق ) وإن كان الطوالع أتم ، ثم اللوامع كما يعلم مما يأتي ( وهي من صفات أصحاب البدايات الصاعدين في الترقي بالقلب فلم يدم لهم بعد ) مع اتصافهم بها ( ضياء شموس المعارف لكن الحق سبحانه وتعالى يؤتي ) أي يعطيهم ( رزق قلوبهم في كل حين ) وفي نسخة من كل خير ( كما قال تعالى :
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[ مريم : 62 ] فكلما أظلم ) وفي نسخة أظلمت ( عليهم سماء القلوب بسحاب الحظوظ ) أي : حظوظ أنفسهم ( سنح ) أي : ظهر ( لهم فيها لوائح الكشف وتلألأ ) لهم ( لوامع القرب وهم في زمان سترهم ) أي : حجبهم عنها ( يرقبون فجأة ) بضم الفاء وفتح الجيم والمد وبفتح الفاء ، واسكان الجيم أي :
بغتة ( اللوائح ) أي : حصولها بغتة ( فهم كما قال القائل : يا أيها البرق الذي يلمع من أي أكناف السماء ) أي : جوانبها ( تسطع ) أي : لا نعلم له سببا بل هو من فضل ربه وإلهامه وبعد هذا البيت :
هذا ولو يقض لنا فرقة * قل لي فيوم البين ما تصنع
شرح
في مبادي سلوكهم تكون مدارج لما وراءها إن ثبت الحق قدم العبد في تلك الأنوار .
( قوله : من المقامات ) أي من إماراتها وإشاراتها ، فإن العبد إذا نازل مقاما من المقامات وصفا حاله فيه يلوح له منه أنوار تشير له إلى ما هو أعلى مما نازله يعبر عن تلك الأنوار باللوائح ، والطوالع واللوامع . ( قوله : متقاربة المعنى ) أي باعتبار أن الكل من مدد النور ، ونهاية الفرق بينها القوّة والضعف وسرعة الزوال وعدمها .
( قوله : لا يكاد يحصل الخ ) أي يكون الفرق بينها إنما هو من وجه سرعة زوال اللوائح بالنسبة للوامع والطوالع ، وسرعة زوال اللوامع بالنسبة للطوالع واللّه أعلم . ( قوله :
فلم يدم لهم بعد ) أي لأنه لا دوام لنورها لزواله بسرعة على الوجه الذي قدمناه في سرعة زوال بعضها بالنسبة للبعض الآخر . ( قوله : ضياء شموس المعارف ) ضياء فاعل لقوله يدم المنفي بلم ، قيل أي وذلك لما تقدّم من سرعة زوال تلك الأنوار . ( قوله : لكن الحق الخ ) أي فهي وإن كانت لا تدوم ، فالحق يكرّر وجودها في قلوبهم ويواليها لهم ، فتكون بذلك كالمستمرّة فضلا من اللّه ورحمة .
( قوله : وهم في زمان سترهم ) أي بسبب ملابسة بعض الحظوظ يرقبون أي ينتظرون فجأة اللوائح ، وما بعدها أي مجيئها بغتة على حين غفلة بدون قصد . ( قوله : كما قال القائل ) لما كانت اللوائح واللوامع متقاربة صح الاستشهاد .
( قوله : أي لا نعلم له سببا الخ ) أي ويحتمل مع هذا أنه للإشارة إلى سرعة الزوال على حد ما سلم حتى ودّع . ( قوله : ولو يقض لنا فرقة ) أي مفارقة لتلك اللذات الحاصلة