وقد بقي له عرق قائم ) لإستغراق قلبه في ذات الحق وصفاته ، ( وقال ) استشهادا لذلك ( إذا طلع الصباح استغني عن المصباح ) أي : إذا وصل العبد إلى هذه الحالة استغنى بها عن الأسباب . ( وتوهم قوم أن المشاهدة تشير إلى طرف من التفرقة لأن باب المفاعلة في ) علم ( العربية ) تقتضي أن يكون الفعل ( بين اثنين ) فأكثر بفعل أحدهما بالآخر كما فعل الآخر به نحو ضارب زيد عمرا ، فلا بدّ للعبد أن يدرك نفسه وربه ( وهذا وهم ) بفتح الهاء من وهم في الحساب بكسرها أي : غلط وبإسكانها من وهم في الشيء بفتحها أي : ذهب وهمه إليه ( من صاحبه ) أي قائله ( فإن في ظهور الحق سبحانه ثبور الخلق ) أي : هلاكهم وفناءهم عن أنفسهم بأن لا يدركوها ، ولا يلزم من ذلك تفرقة ( و ) أيضا ( باب المفاعلة جملتها لا تقتضي مشاركة الاثنين ) بل بعضها
شرح
( قوله : وقد بقي له عرق قائم ) أي معرفة ثابتة بشيء من الأشياء غير الحقة . ( قوله :
إذا طلع الصباح الخ ) أقول الغرض تقريب المعنى بالمألوف حيث مثل بالمحسوس المعروف ، والقصد أنه بشهود رب الأرباب لا يعول على شيء من الأسباب . ( قوله :
تشير إلى طرف من التفرقة ) أقول هو كذلك بقياس الغائب على الشاهد وإلا فمشاهدة القديم منفردا في الوجود يلزمها الثبور والهلاك لسائر المكوّنات ، وذلك مقام جمع الجمع ، فلا تفرقة كما أشار إليه الشارح ، واللّه أعلم . ( قوله : ولا يلزم من ذلك تفرقة ) الظاهر هذا هو المعوّل عليه في الجواب إذا نظر لقياس الغائب على الشاهد كما قدمنا ، وإلّا فلا تفرقة كما أوضحنا .
( قوله : وأيضا باب المفاعلة الخ ) محصله منع إطراد هذا في باب المفاعلة لأنها تأتي بمعنى فعل بدون مشاركة ، وبمعنى فعل للتكثير وافعل . ( قوله : فلما استبان الخ ) مراده أنه لما اتضح الحق بمقام المعاينة أغنى نوره الأقوى بالنسبة لما دونه من أنوار المحاضرات ، والمكاشفات إذ من منح المعاينة قد تجرع كؤوس المحبة التي لو ابتلي أحد بكأس منها لفني عن وجوده بواسطة قوّة نيرانهايُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ[ إبراهيم : 27 ] ومحصله أنه لما جدّ المريد تأسيا بخير العبيد في دوام المجاهدات ، ورعاية محاسن المتابعات في أداء الواجبات والمندوبات أشرقت له الأنوار كفلق صبح النهار ، فوردت على قلبه الواردات ، وتوالت عليه الكرامات بلطيف الإشارات ، فاستغنى بنور المصاحب عن إشراق نور الكواكب ، فسقاه كأس المحبين ، فغيبه به عن سائر العالمين حتى عن نفسه وفنائه ، فبقي بوجوده في بقائه لا يشهد إلا الحق بالحق منعما في مقعد صدق نفعنا اللّه بمن أحب ، ومنحنا مقام القرب ، وقوله : يجرعهم كأسا الخ ليس خافيا عليك هذه المبالغات ، برقيق تلك العبارات ، فلا حاجة إلى اللقلقة بما لا يفيد حيث فهم ذلك ليس إلّا لذوي التسديد ، ونهاية المقصود أن