فما نفد ) أي : فني ( الشراب ولا رويت ويقال ) في ذلك ( كتب يحيى بن معاذ إلى أبي يزيد البسطامي ههنا ) أي : في هذا المقام ( من شرب كأسا من المحبة ، لم يظمأ بعده ) لدوام تعلق قلبه بمحبوبه لما وهب من مقام المحبة ( فكتب إليه أبو يزيد :
عجبت من ضعف حالك ) إذ ( ههنا من يحتثي بحار الكون وهو فاغر ) أي : فاتح ( فاه يستزيد ) من كمال المحبة ، فإن من تمكن فيها قل سكره وقوي على حمل ما يرد عليه من أعبائها لكمال تمكنه في مقامه . ( واعلم أن كاسات القرب ) أي : مواهب الحق
شرح
استغراقه في محبوبه فلا يفيق إلى غير ذلك ، وبهذا فارق ما وصل إليه أبو يزيد من كمالات المحبة ، والتمكن فيها .
( قوله : إذ ههنا من يحتسي بحار الكون وهو فاغر الخ ) أقول وذلك واضح لأن المحبة تزيد وتربو بالإحسان من المحسن ، وحيث فضل اللّه تعالى واسع وخزائنه ملأى ، وكمالاته لا تتناهى ، فالمحب يكون حينئذ دائم الشوق إلى ما يشاهده ويؤمله من زائد إحسان ربه ، ويرشد إلى ما ذكرناه خبر : « لا يمل اللّه حتى تملوا » فتدبر . ( قوله : واعلم أنّ كاسات القرب الخ ) الغرض الإشارة إلى منازل الأبرار ورتب المقرّبين ممن جدّ في المتابعات ، واجتهد في الرياضات ووفق لإخلاص المقاصد والنيات حتى قوي يقينه وصار وعده نصب عيشه التي لا تظهر من علم الغيب إلّا على من تخلص من كل عيب من ذوي الأسرار المعتقة من جميع الأكدار ، والأرواح المحرّرة عن رق الأشباح ، وذلك بالتجرد عن الحظوظ والشهوات ، والنزاهة عن الدنيء من العادات ممن لا يشهد غير الحق ، ولا يفوه إلا بالصدق إن غاب فبالموجود ، وإن حضر فبالمقصود ، وإن قال فبالمكاشافات ، وإن فعل فبالمتابعات ، وإن رضي فباللّه ، وإن غضب فللّه ، فيكون خلقه المحمدي ، وظاهره وباطنه الأحمدي .
( قوله : واعلم أن كاسات القرب الخ ) أي فهو يشير بذلك إلى أنّ ما أسكر من لذة القرب شراب مخصوص بأهل الخصوص ، وذلك مثل حال أهل الجذب في اللّه ممن عتقت أسرارهم عن رق الشهوات ، وتحرّرت أرواحهم عن رق العادات لا مثل السالكين من أصحاب الصحو إذ بداية المجذوب نهاية السالك لأنه قد أخذ عن نفسه إلى حضرة الحق لا بترتيب ولا تدريج ، بخلاف السالك مع أن كلا منهما له حظ مما لصاحبه ، وإنما اختلف البساط فقط فكل مجذوب سالك ، ولولا ذلك لكان زنديقا وكل سالك مجذوب إذ لولا عناية اللّه ما أخذ في السلوك قال تعالى :اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ[ الشورى : 13 ] . ( قوله : تبدو من الغيب الخ ) أي فهي مواهب إلهية على حسب سابق العناية الأزلية .