دام ( فإذا دامت به تلك الصفة لم يورثه الشرب سكرا ) ولهذا قال الجنيد في هذه الحالة ، وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مر السحاب . ( فكان ) من دامت به تلك الصفة ( صاحيا بالحق فانيا عن كل حظ لم يتأثر بما يرد عليه ولا يتغير عما هو به ، ومن صفا سره لم يتكدّر عليه الشرب ، ومن صار الشراب له غذاء لم يصبر عنه ولم يبق بدونه ) وفي نسخة دونه ( وأنشدوا ) في ذلك ( إنما الكأس رضاع بيننا . فإذا لم نذقها ) أي كأس المحبة الدائرة بين المحب والمحبوب ( لم نعش ) فالحق تعالى يوالي عليهم أحوال المحبة كلما توالت عليهم طاشوا في طلبها ، وعاشوا بشربها ( وأنشدوا ) فيه أيضا :
( عجبت لمن يقول ذكرت ربي * فهل أنسى ، فأذكر ما نسيت
شربت الحب كأسا بعد كأس
شرح
الإفضال مع الثبات في مدارج العمال واللّه أعلم . ( قوله : ولهذا قال الجنيد ) أي وللإشارة إلى أن من قوي حبه دام شربه ، ولم يتأثر به لبه كما قال :وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ[ النمل : 88 ] أي فالمحب وإن ظهر عليه السكون قد خفي طيران قلبه في شؤون الفنون ، وهيمان لبه فيما لا تحيط به الظنون . ( قوله : إنما الكاس رضاع بيننا الخ ) أي حيث أشار إلى ما يسكر من لذة الأذواق الواردة على قلوبهم التي لا غنى عن شيء منها بالنسبة لكل محب مقرب ، فمن جذبه الحق من الخلق ينجلي له بجلاله وعظمته وكبريائه بما تذهل بواسطته العقول الكاملة ، ولا يدرك ذلك بالكسب ، فيوجب له ذلك التجلي هيبة وأنسا ثم يردّه شهود صفاته حتى يجري معناها على قلبه ، فيحصل له فرق في عين الجمع ، وذلك موطن العلم والمعرفة التفصيلية ، ثم يرده إلى أسمائه ، وذلك حقيقة المعرفة بالصفات ، فيسري له التفصيل في المعاني ، ثم يردّه إلى شهود الآثار فيسري له من كل اسم ظهور نسبة في الوجود فينظر الخلق بما أبدى عليهم الحق فيدخل الشريعة من عين الحقيقة .
( قوله : إنما الكاس رضاع بيننا الخ ) أي فمن اعتاد شرب خمر الكاس صار كالرضيع الذي لا غنى له عن شرب لبن الرضاع ، فمن ثبتت له المحبة الإلهية يدوم عليها ، ولا ينفك عنها دوم زمانه ، وقوله : فإذا لم نذقها لم نعش أي إذا بعد من اعتاد شرب خمر المحبة عن الشرب لم يثبت عيشه أي معيشته واللّه أعلم . ( قوله : شربت الحب الخ ) أي فهو يدوم في العلل والنهل في الشرب لكاسات المحبة ، ومع ذلك لا تنطفىء نيران أشواقه إلى محبوبه ، فلا يفيق لثبوت نهمته مع عدم نهاية كمالاته تعالى فلا الأشواق تنتهي ، ولا كمالات الحق تنفد . ( قوله : كأسا بعد كأس ) يريد أنه شرب كثيرا كما يرشد إليه قوله : فما نفد الشراب ولا رويت . ( قوله : ههنا الخ ) أي فمن ذاق لذة المحبة مرّة دام