( كيف كان يكون ) أي مما يصح أن يكون فرق رحمه اللّه تعالى بهذا مع ما قبله بين العلم وكلام النفس ، فإن من أنكر كلام النفس يرده تارة إلى العلم وتارة إلى الإرادة .
( وقال الحسين بن منصور من عرف الحقيقة في التوحيد ) بأن عرف إفراد اللّه تعالى ذاتا وصفة وفعلا وأنه لا يتغير معلوم ولا يتبدل مقسوم ( سقط عنه ) الاعتراض على ما يشاهده والسؤال بنحو ( لم وكيف ) إذ لا يسأل عما يفعل . ( أخبرنا محمد بن الحسين قال : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول : قال الجنيد :
أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد ) فتفكر العبد في عظمة اللّه وجلاله ووحدانيته في قدمه وبقائه واستغنائه عن خلقه ونحو ذلك أشرف من تفكره في الجنة وما فيها من الخيرات ، أو في النار وما فيها من أنواع العذاب .
شرح
المستقبل ، وما لا يكون أي ما لا يجود في المستقبل أن لو كان أي لو فرض كونه ، ووجوده ، فيعلمه كيف كان يكون ويوجد فتدبر . ( قوله : أي مما يصح أن يكون ) أي من جميع الجائز والممكن . ( قوله : فرق رحمه اللّه تعالى بهذا الخ ) قلت الحاجة إلى الفرق هنا ظاهرة بخلافه بين العلم والكلام اللفظي ، فإن الفرق بديهي ، غير محتاج إليه . ( قوله : من عرف الحقيقة في التوحيد الخ ) قال بعضهم : ومثل هذا يقال له عبد اللّه الذي تجلى اللّه له بجميع أسمائه ، وهو لا يكون أرفع مقاما منه لتحققه بالاسم الأعظم ، واتصافه بجميع صفاته ، ولذا عبر عنه صلى اللّه عليه وسلم به في آيةوَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ[ الجن : 19 ] فافهم .
( قوله : سقط عنه الاعتراض ) أي لم يقع منه اعتراض على ما يشاهده بلم كان كذا ، أو كيف كان كذا ، وذلك لتحققه بعلم مظاهر أحدية الحق تعالى ، ومن جملة ذلك أنه لا يسأل عما يفعل . ( قوله : أشرف المجالس الخ ) منه تعلم أن زينة الباطن بالتفكر في ميادين التوحيد ، والتنزه في رياض حدائقه ، والتفكه بجني ثمار هذه الحدائق هو الذي عليه المعول عند أهل العناية والتسديد ، ولذلك قيل أنه لما رؤي الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه في ثوب خلق لا قيمة له عاتبه بعض الجهال ، فقال له رضي اللّه تعالى عنه ( شعرا ) :لئن كان ثوبي فوق قيمته الفلس * فلي فيه نفس دون قيمتها الإنس
فثوبك شمس تحت أنواره الدجى * وثوبي ليل تحت ظلمته الشمسفافهم . ( قوله : الجلوس مع الفكرة الخ ) أي التفكر في مجال الأسماء ، والصفات ذاتية وهي ما لا يتوقف على وجود الغير ، وإن توقفت على اعتباره أو كانت غير ذاتية والغرض له نفعنا اللّه به الحث على التفكر فيما له سبحانه من الأسماء والصفات ، والآثار المصنوعات ، ولا يخفى أن الأشرف التفكر في المصادر كما ذكره الشارح واللّه أعلم .
( قوله : في الجنة الخ ) أقول هي جنات أحدها جنات الأفعال ، وهي صورية ، إذ هي