ربه ( جعل ثم مسافة ) بينهما وهو تعالى منزه عنها ( إنما التداني ) أي دنوه من ربه ( أنه كلما قرب منه ) بقلبه برؤيته ومناجاته له وامتلاء قلبه بذكره بحيث غاب عن جميع الخلق ( بعده عن أنواع المعارف ) وغيرها فإن من كمل شغله بجلال اللّه وكماله بعد قلبه عن ذكر غيره بل عن ذكر نفسه وإحساسه بكونه ذاكرا ( إذ لا دنو ولا بعد ) في المسألة وقال جماعة : المعنى دنا جبريل من النبي صلى اللّه عليه وسلم وقيل : دنا النبي من الخلق ولان لهم وصار كواحد منهم وقيل : دنا من مكان شريف لم ينله غيره من الخلق فيكون الدنو والبعد في المسافة ( ورأيت بخط الأستاذ أبي علي ) الروذباري ( أنه قيل لصوفي أين اللّه فقال ) للسائل ( أسحقك اللّه ) أي غيبك عن نفسك بكمال شغلك به ( تطلب مع العين أين ) فيه دلالة على أنه أن الصوفي كان في حال الحضرة مع اللّه بحيث لا يرى في كل متحرك ولا ساكن إلا اللّه فصار كالعيان عنده فلغلبة ذلك على
شرح
عهد ، فمعناه اللائق هو شهود الوحدة الحقيقية الواصلة بين الظهور والبطون ، وقد يعبر به عن شهود قيومية الحق للأشياء ، فإنها توصل بعضها ببعض في الكثرة حتى تتحد ، ولذا قيل من عرف الفصل من الوصل ، والحركة من السكون ، فقد بلغ القرار في التوحيد ، فالمراد بالحركة السلوك ، وبالسكون القرار في أحدية الذات ، وقد يعبر بالوصل عن الفناء في أوصاف الحق ، وهو التحقق بأسمائه تعالى المعبر عنه بإحصائها في خبر : « من أحصاها دخل الجنة » ، أو يقال : معنى الدنو في الآية أنه كناية عن إفاضة النور المتسبب عن تحقق حقيقة اليقين مع الإسفار عن جمال الذات له صلى اللّه عليه وسلم ، فبه اشتغل وعليه أقبل وبعد عمن سواه فافهم .
( قوله : برؤيته الخ ) الباء بمعنى مع حيث ثبت أنه صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه بعين بصره ، كما رآه بعين بصيرته . ( قوله : بعده عن أنواع المعارف ) أي المعارف المتعلقة بالحوادث لاشتغاله به سبحانه ، وعدم سعته لغيره . ( قوله : وقيل دنا النبي من الخلق ) أي بسبب ما أفيض عليه من الكمالات ، وما ألقي في قلبه من الرحمة . ( قوله : أي غيبك الخ ) أي فيكون ذلك من الدعاء له بمقام جمع الجمع الذي هو الفناء عما سواه تعالى ، حيث لم يبق في الفاني بقية ، فإن بقيت فيه بقية فهو مقام الجمع فقط . ( قوله : تطلب مع العين أين ) أقول قال بعض الفقراء جريت من عالم الأين إلى حضرة العين ، فوجدت المطلوب قريبا ، والمحب حبيبا ، ثم قلت أيها الأمر العالي ، والشأن الغالي استأذنك في السؤال عن المفرق بين حالك وحالي ، فقال : سل لتجاب ، واعلم أنه لا فرق بيننا إلا في الألقاب ، فقلت : لم أنت ذو القدرة والعز وأنا ذو الذل والعجز ، فقال : لأنك مظهري في عالم الأين ، وأنا مظهرك في حضرة العين ، فقلت : لم كان مظهري هو العالي اللطيف ومظهرك هو الدون الكثيف ، فقال : لأني حقيقتك ، وأنت حقيقتي وحقيقتك هي الثابتة الوجودية ، وحقيقتي