يقول : سمعت إبراهيم بن فاتك يقول سمعت الجنيد يقول : متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير ) حتى يقال : فلان وصل إلى اللّه ويراد به الوصول بالحمى والقرب المعهودين ( هيهات ) أي : بعد ذلك ( هذا ظن عجيب إلا ) أي : لكن الاتصال به إنما هو ( بما لطف اللطيف ) أي : بلطفه ( من حيث لا درك ولا وهم ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان ) أي : بل بالإشارة إلى ذلك يعني بكمال اليقين ومعرفة اللّه تعالى ودوام الذكر له وقلة الغفلة . ( وأخبرنا محمد بن الحسين رحمه اللّه تعالى قال : سمعت عبد الواحد بن بكر يقول حدثني أحمد بن محمد بن علي البرذعي قال : حدثنا طاهر بن إسماعيل الرازي قال : قيل ليحيى بن معاذ أخبرني عن اللّه عز وجل فقال ) هو ( إله واحد فقيل له كيف هو فقال ) هو ( ملك قادر فقيل ) له ( أين هو فقال ) هو ( بالمرصاد ) يرصد أعمال عباده لا يفوته منها شيء ليجازيهم عليها ( فقال ) له ( السائل لم أسألك عن هذا فقال ) له كل ( ما كان غير هذا ) الذي أخبرتك به مما هو ظاهر سؤالك من الماهية والكيفية والمكان المنزه عنه تعالى ( كان صفة المخلوق فأما صفته ) تعالى ( فما أخبرتك عنه ) ومثل ذلك ما صدر من فرعون لموسى لما سأله عن الماهية بقوله وما رب العالمين فأجابه بأفعاله الدالة عليه ، وإلى ذلك يرجع ما ذكره بقوله . ( وأخبرنا محمد بن الحسين قال : سمعت أبا بكر الرازي يقول :
شرح
( قوله : بما لطف اللطيف ) محصله أن الوصول الممكن للعبد هو شموله بالعناية الإلهية ، والالطاف الخفية ، حتى يتخلى عن المشغلات ، ويتحلى بالطاعات ، فيصل بذلك إلى درجة الهبات والإحسانات . ( قوله : بما لطف اللطيف الخ ) أفاد بذلك أن سبب الوصول إليه سبحانه لطفه ، بما وفق عبده للقيام به من التخلي عن المشغلات مع دوام المراقبات في جميع الحركات والسكنات . ( قوله : أخبرني عن اللّه ) أي عن حقيقته بالكنه ، وقوله : كيف هو يعني بيان كيفيته وحالته ، وقوله : أين هو يقصد بيان مكانه تعالى اللّه عن ذلك كله علوا كبيرا ، وقوله : في الجواب إله واحد أي هو الموجد للعالم المنفرد في ذاته ، وفي صفاته ، وفي افعاله لا شريك له في الملك ، وقوله : ملك قادر ، أي هو المتصرف في جميع الكائنات القادر على إيجادها وعلى إعدامها بقدرته الباهرة ، وقوله :
بالمرصاد أي هو المراقب لأعمال العباد المحصي لها لا يفوته شيء منها .
( قوله : فقال هو إله واحد الخ ) فيه إشارة إلى أنه لا يسلك السائل في سؤاله عنه تعالى إلا طريق الأدب ، فلا يسأل عن الحقيقة والكنه بل إنما يسأل عن الصفة والفعل ، كما أفاده خبر « لا تفكروا في ذات اللّه » الحديث ، ولذلك أجابه بما له من الصفات .
( قوله : بأفعاله الدالة عليه الخ ) أي حيث قال في الجوابرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ *الآية .
( قوله : فقال له مع في ذلك ) أي في هذا المقام يتعين حملها على معنيين لاستحالة ما