( المؤمنون ) في الآخرة ( بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية ) وعليه حمل قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] أي إدراك إحاطة ونهاية لأن ذلك إنما يكون في محدود محصور وهذه صفة الأجسام ، وهو تعالى منزه عن ذلك ( وقال أبو الحسن ) في نسخة أبو الحسين ( النوري شاهد الحق ) تعالى ( القلوب فلم ير قلبا أشوق إليه من قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم ) بخلقه تعالى ذلك له ( فأكرمه بالمعراج تعجيلا للرؤية والمكالمة ) له
شرح
ظلمة الكون ، فاتباعها يعطي سعادة الدارين ، فاحذر أن تخرج من دائرته ، وإياك أن تفارق إجماع أهل ملته ففي قلب صاحب الشرع بدائع الحكم في أسرار صاحب الناموس الأكبر ، وخزائن جواهر الغيب ، فقبول أمره يصير القلب مهبط الأملاك ، وكلمات أحكامه من ماء غمام أقواله يشرب عطاش الأرواح ، وفي عيون حبات ألفاظه يغتسل حصير العقول ، فتأمل تفهم واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ( قوله : وعليه حمل قوله تعالى الخ ) أي فالمنفي في الآية إدراك الأبصار مع الإحاطة ، والنهاية ، فرؤيته تعالى بالإبصار في الدنيا والآخرة على هذا الوجه جائزة وثابتة ، فلا وجه لمن نفاها عنه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء مستدلا بهذه الآية لما علم من تأويلها .
( قوله : شاهد الحق الخ ) أي علم وراقب القلوب أي اللطيفة الإنسانية المودعة في الجسم الصنوبري الشكل ، وقوله : فلم ير قلبا الخ أي لم يعلم قلبا أشوق إلى محابه ومرضاته من قلب محمد ، وذلك لكونه خلقه مقدسا من سائر الحظوظ . ( قوله : شاهد الحق الخ ) أقول ذلك من تجلياته سبحانه وتعالى ، ومظهر من مظاهره ، وإلا فالمعنى أنه خلق قلب سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم كذلك كما أشار إليه الشارح حيث قال : بخلقه تعالى ذلك له . ( قوله : فلم ير قلبا الخ ) يشير إلى أنه لما نادى منادي الطلب للأرواح الكامنة في القوالب آثار ساكن غرامها إلى العلا ، فطارت بأجنحة الشوق في فضاء المحبة فوقفت بعد التعب على أغصان الهيمان ، فتناغت على الأشجار بلابلها بمطربات ألحان الحنين إلى الجمال المقدس ، فأقلقهم هبوب نسيم الغرام إلى إعادة لذاتأَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ، فخرجت بعض الطيور من أقفاص الصدور تتلمح أثرا من أمطارها القديم ، فتنتشق نسمة من مهب التكليم ، فسمعت داعي اللّه تعالى بلسان إنسان عين الوجود فانتقش دعاؤه صلى اللّه عليه وسلم في صفحات ألواح الأرواح ، فصارت دعوته تهز أغصان أشجار الأشجان القلبية ، فاضطربت فرسان العقول في مبادئ الصور غرا بما سمعت ، فصار عشقها له سرا من أسرار القدم ، وأصبح ولهها به لطفا من لطائف القدر فافهم . ( قوله : فأكرمه بالمعراج ) أي الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم بالعروج إلى السماوات إلى العرش ، وما بعده مما علمه الحق سبحانه وتعالى ، راجع قصة الإسراء والمعراج . ( قوله : والمكالمة ) أي المكالمة المنزهة عن الحروف والأصوات بدون واسطة من أملاك السماوات .