من قوله تعالى :
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
[ النمل : 88 ] ( أخبرني محمد بن الحسين قال : سمعت محمد بن عبد اللّه الرازي يقول سمعت أبا الطيب المراعي يقول : للعقل ) وهو غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات ( دلالة ) يستدل بها على وحدانيته تعالى ( وللحكمة إشارة ) إليها ( وللمعرفة شهادة ) أي تحقيق لها ( فالعقل يدل والحكمة تشير والمعرفة تشهد أن صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد ) فقد اتفق العلماء والحكماء ، والعارفون على أن صفاء الأعمال لا ينال إلا بذلك ، ومعناه أن سلامتها من الرياء والعجب إنما يكون إذا امتلأ القلب باستحضار
شرح
( قوله : للعقل الخ ) أي العقل المنور بنور القدس الصافي عن قشور الأوهام والشكوك ، وقوله : غريزة أي قوّة خلقها اللّه تعالى للنفس غريزية وطبيعية لها . ( قوله :
دلالة ) أي أمور تتضح له يدرك صاحبها بسبب ذلك إدراكا تاما أن صفاء العبادات الخ ، ثم إذا حصلت المعرفة أذعن القلب ، وجزم تبعا للعقل ، والمراد الإشارة إلى أن الشريعة إذا كانت بالحقيقة ، فالحقيقة حينئذ بالشريعة ، ومن لم يكن هنا ، فليس منا بحال ، والحاصل أن الكامل إذا كان واقفا مع الحقيقة ، فقد يشير بهنا إلى الشريعة وعالم الشهادة القريبتين ، وبهناك إلى الحقيقة وعالم الغيب البعيدتين ، وقد تكون الحقيقة هي القريبة فافهم . ( قوله :
وللحكمة إشارة ) اعلم أن الحكمة هي العالم بحقائق الأشياء ، وأوصافها وخواصها وأحكامها على ما هي عليه ، وبارتباط الأسباب بالمسببات ، وأسرار انضباط نظام الموجودات ، والعمل بمقتضى ذلك كله ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، والحكمة نوعان منطوق بها ، وهي علوم الشريعة ، والطريقة ومسكوت عنها ، وهي أسرار الحقيقة التي لا يفهمها علماء الرسوم بل ربما تهلكهم ، فافهم واللّه أعلم .
( قوله : وللمعرفة شهادة ) أي مشاهدة باعتبار ما يتحقق للنفس بسببها من أن صفاء العبادة لا يتم إلا بصفاء التوحيد ، وإطلاق الشهادة بمعنى المشاهدة للمعرفة طريقه المبالغة والتجوز ، وإلا فالمعرفة تحقق المعروف ، كما أشار إليه الشارح نفعنا اللّه ببركات علومه حيث قال أي تحقيق لها هذا ، ويحتمل أن المراد بالشهادة معنى الإخبار بحق للغير على الغير ، فكأن المعرفة شهدت بحقه تعالى على النفس الناطقة للروح ، والغرض التحقيق كما تقدّم في الاحتمال الأوّل . ( قوله : إن صفاء العبادات ) أي خلوصها لوجه اللّه تعالى من أسباب العوائق كالرياء وشهود الأعمال مع الركون إليها ، وقوله : لا ينال أي لا يصل العبد إليه إلا بصفاء التوحيد أي لأنه به تشرق أنوار الباطن على صفحات وجه ظاهر الجوارح ، فتصدر الأعمال مقدسة من كدورات العوائق . ( قوله : فقد اتفق العلماء الخ ) فيه اللف والنشر المرتب لأن قوله : فقد اتفق العلماء راجع لقوله : للعقل دلالة ، وقوله :
والحكماء راجع لقوله وللحكمة إشارة ، وقوله : والعارفون راجع لقوله : وللمعرفة شهادة .