في التوحيد ( اعلموا ) أيها الصوفية ( رحمكم اللّه أن شيوخ هذه الطائفة ) منكم ( بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد صانوا بها عقائدهم عن البدع ) كالتشبيه الذي قال : به المجسمة ونفيه تعالى الذي قال به الفلاسفة القائلون بقدم
شرح
تصميم القلب ، وإذعانه تصميما وإذعانا عن دليل وبرهان لا يقبل شكا ولا ترددا .
( قوله : هذه الطائفة ) الإشارة راجعة إلى جماعة الصوفية . ( قوله : في مسائل الأصول ) المسائل جمع مسألة ، وهي مطلوب خبري يبرهن عنه في العلم ، والمراد بالأصول أصول التوحيد ، وهي فنونه التي يبحث فيها عن الأدلة ، والبراهين المتعلقة بذاته تعالى وصفاته باعتبار ما يجب له تعالى ، ويجوز في حقه ويستحيل في حقه . ( قوله : اعلموا الخ ) أتى بقوله اعلموا طلبا لاقبال المخاطب اقبالا تاما لما يمليه عليه بعدها اهتماما به . ( قوله : بنوا قواعد أمرهم الخ ) اعلم وفقني اللّه تعالى وإياك ، أن الدين بستان والشريعة سياجه ، والطريقة رياضه ، والحقيقة ثمراته فمن لا شريعة له لا دين له ، ومن لا طريقة له لا شريعة له ، ومن لا حقيقة له لا طريقة له ، واعلم أيضا أن طريقة الصوفية تشتمل على عشرة أشياء أحدها حقيقة التصوّف ، وهي ترجع إلى صدق التوجه إلى اللّه تعالى ، والثاني أن مدار ذلك على إفراد القلب ، والقالب للّه وحده ، والثالث أنه من الذين بمنزلة الروح من الجسد ، والرابع أن نظر الصوفي في وجه الكمال والنقص ، والخامس أن نظر الفقيه فيما يسقط الحرج ، والأصولي فيما يصح به الإيمان ويثبت ، فنظر الصوفي أخص من نظرها ، ولذلك صح إنكارهما عليه ، ولا يصح إنكاره على أحدهما ، فصوفي الفقهاء خير من فقيه الصوفية ، والسادس إظهار شرف التصوف ، ودليله برهانا ونصا ، والسابع أن الفقه شرط في صحته ، فلذلك قدم عليه ، والثامن ذكر الاصطلاح واختصاصه بكل فن على حسبه ، والتاسع مفاتيح الفتح فيه أربعة أحكام المبادي ، وصدق الرغبة في الوصول ، والتشوق للحقائق ، وعدم التقيد بالمنقول مع التحقيق ، والعاشر أنه طريق عجيب غريب ، وبناء على اتباع الأحسن دائما ففي العقائد على اتباع السلف ، وفي الأحكام على الفقه من الفضائل على مذهب المحدثين ، وفي الآداب على ما به صلاح القلوب .
( قوله : بنوا قواعد أمرهم ) أي أسسوها ، والقواعد جمع قاعدة ، وهي ما بني عليها غيرها من فروعها . ( قوله : على أصول صحيحة ) أقول كيف لا وعلم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية ، وصحة العبودية وما كان غير ذلك فهو المغاليط والزندقة .
( قوله : صانوا بها ) أي خففوا بها عقائدهم أي معتقداتهم . ( قوله : من البدع ) جمع بدعة ، وهي ما لا يجري على أصول الشريعة من نص الكتاب أو الحديث أو الإجماع أو القياس ، ومع ذلك فمنها الحسنة والقبيحة ، كما لا يخفى على من له إلمام بالفروع ، ( قوله : الذي قال المجسمة ) أي وهم فرقة من المعتزلة افترقوا على فرقتين ، فمنهم من قال أنه تعالى جسم لا كالأجسام ، ومنهم من قال أنه جسم كالأجسام فالأولى فسقة ،