أحسن حالا ممن يزعم هذا ، وما قاله حق لأن من يسرق ويزني ، يعتقد نقص نفسه وعصيانه لربه وترجى له التوبة بخلاف من اعتقد أن من جملة ما يقربه إلى ربه ترك هذه العبادات ، فلا يرجع عن ذلك أبدا ، ونقل عن بعضهم أنه قيل له عمن يقول ذلك ، ويزعم أنه وصل فقال : صدق وصل ، ولكنه وصل إلى سقر .
( وركنوا إلى اتباع الشهوات و ) إلى ( قلة المبالاة بتعاطي المحظورات ، والارتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان و ) الظلمة من ( أصحاب السلطان ) والسوقة بضم السين خلاف الملك يستوي فيه المفرد والمذكر وضدهما ، ذكره الجوهري ( ثم ) إنهم ( لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال ، حتى أشاروا ) إلى وصولهم ( إلى أعلى الحقائق والأحوال ، وادعوا أنهم تحرروا ) أي انفكوا ( عن رق الأغلال وتحققوا ) أي اتصفوا ( بحقائق الوصال ، وأنهم قائمون بالحق يجري عليهم أحكامه ) تعالى ( وهم محو ) أي ذاهب أثرهم يعني لا تكليف عليهم ( وليس للّه عليهم ، فيما يؤثرونه ) أي يختارونه ويفعلونه ( أو يذرونه ) أي يتركونه ( عتاب ولا لوم ، وأنهم كوشفوا بأسرار
شرح
وصل إلى سقر ) أي لتلبسه بأسباب ذلك ، فكأنه حينئذ وصل حقيقة . ( قوله : وركنوا إلى اتباع الشهوات ) أي وطنوا نفوسهم على ذلك ، وقوله : المحظورات من الحظر ، وهو المنع ، وقوله : والارتفاق أي الانتفاع أي فلم يكونوا غير قطاع طريق خائنين أنفسهم والرفيق ، والشهوات جمع شهوة ، وهي انبعاث النفس لطلب الملائم طبعا من حيث هو ملائم لا من حيث وجه الحق منه . ( قوله : ثم أنهم لم يرضوا ) أي لم يكتفوا بهذه المفاسد حتى أشاروا إلى وصولهم إلى أعلى الحقائق ، واعلم أن الوصول عند الصوفية كناية عن فناء العبد عن أوصافه ، وعاداته في أوصاف الحق تعالى ، وذلك بالتحقق بأسمائه المعبر عنه بإحصاء الأسماء المشار إليه بخبر : « من أحصاها دخل الجنة » فافهم . ( قوله : وادعوا أنهم تحرروا الخ ) أي تخلصوا عن محبة ما سواه تعالى المشبهة برق الأغلال بجامع عدم القدرة في كل على الانفكاك ، فمن تعلق بشيء فهو في رقه بإشارة خبر : « تعس عبد الدينار » ، الحديث . ( قوله : بحقائق الوصال ) أي القرب المعنوي منه تعالى ، وقوله : وهم محو هو من جملة مدعاهم ، أي فلم يبق فيهم بقية يتعلق بها التكليف لتمام فنائهم عن شهواتهم وحظوظهم النفسية ، حتى صاروا إلى حالة عدم العتب واللوم في كل ما يصدر عنهم ، مع أنه ليس كما زعموا قبحهم اللّه تعالى .
( قوله : وأنهم كوشفوا الخ ) أي أنهم طلبوا الكشف عن أسرار الأحدية فانكشفت لهم فشاهدوا منها انفراد الحق ذاتا وصفة وفعلا ، وأسرار الأحدية هي ما غاب من نعوت الذات ، ويعبر عنها بحضرة العماء المشار إليها في المنبهجة بقوله :بعماء كنت به أزلا