أحفظه في سائر تصرفاته ، فلا يخطئ في شيء منها ، وفي آخره فإن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته ( ثم اعلموا ) أيها الصوفية ( رحمكم اللّه أن المحققين من هذه الطائفة ) أي طائفة الصوفية .
( انقرض ، أكثرهم ولم يبق في زماننا هذا من هذه الطائفة إلا أثرهم ) من التشبه بهم في لبس المرقعات ، والتلبس بالهيآت في الظواهر مع خلو القلوب عن السرائر ، وهذا ( كما قيل :
أما الخيام فإنها كخيامهم * وأرى نساء الحيّ غير نسائها )
وذلك لاختلال العلم وغلبة الجهل وحب الدنيا ، ونيل المقاصد العاجلة منها ،
شرح
الجوارح والقوى الظاهرة والباطنة وإلا فتعالى اللّه علوا كبيرا عما يظهر من معناه . ( قوله :
ثم اعلموا ) أتى بلفظ اعلموا لغرض توجه السامع بكليته لما يلقى عليه بعد الكلمة ، وقوله : أن المحققين أي ممن اتصف بالتجرد والإخلاص ظاهرا أو باطنا ، وقوله انقرض أكثرهم يعني بالموت . ( أقول ) وإذا كان هذا في زمان المصنف ، فكيف الحال بزماننا الكثير الظلمة ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ( قوله : من التشبه بهم ) أي فهم مصداق خبر : « المتشيع بما لم ينل كلابس ثوبي زور » . ( قوله : من التشبه بهم الخ ) أي ولا سيما إذا كانوا مع التشبه المذكور علماء الألسنة جهلة القلوب قال صلى اللّه عليه وسلم في مثل هؤلاء :
« أخوف ما أخاف على أمتي المنافق عليم اللسان » « 1 » أعاذنا اللّه تعالى من شرورهم إنه كريم جواد . ( قوله : وهذا كما قيل الخ ) أي في أن المشابهة ، فيما يظهر للأعيان مع المباينة لحقيقة الإنسان ، ومثل هذا محروم الثواب بل استعداده ليس إلا للعقاب .
( قوله : أما الخيام الخ ) الخيام هي بيوت من شعر ، أو قطن أو كتان أو صوف أو غير ذلك تتخذ لتقي حر الشمس ، ونكاية البرد ، وقوله : فإنها كخيامهم أي كبيوت الأحبة في الظاهر والصورة ، غير أن ساكنيها لم يكن بينهم وبين من أحبهم اللّه تعالى مشابهة من وجه من الوجوه . ( قوله : أما الخيام الخ ) أي فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم أما الساكنون ، ففي رحمة رب العالمين فعوضنا اللّه تعالى عنهم خيرا وجزاهم أحسن الجزاء . ( قوله : وذلك ) أي بعد المشابهة للأحبة إنما هو من اختلال العلم أي العلم النافع في طريق السير إلى اللّه تعالى ، وقوله : وغلبة الجهل أي الناشئ عنه هذه المخالفات ، والبعد عما به المشابهات ، بل قد يكون العلم مع عدم العمل به أضر على العبد من الجهل لعدم عذر الإنسان معه . ( قوله :
وحب الدنيا الخ ) أقول هو رأس المفاسد ، كما أن رأس الخبائث الخمرة مع أنه لا يمكن أن
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( حدود 24 ) ( فتن 59 ) ( زهد 21 ) وابن ماجة ( حدود 12 ) ( زهد 21 ) وأحمد بن حنبل ( 1 ، 22 ، 44 ، 3 ، 7 ، 30 ، 382 ، 4 ، 126 ، 5 ، 428 ، 429 ) .