فانقطعوا بقلوبهم إليه وأقبلوا بكليتهم عليه ، ودامت مشاهدتهم له ولما يرد عليهم من أحكامه ( ووفقهم ) أي أقدرهم ( للقيام بآداب العبودية وأشهدهم مجاري أحكام
شرح
من حقائق الأحدية ) المراد بها الأحدية الجامعة لجميع الحقائق المسماة بحضرة الجمع والوجود . ( قوله : وملأ قلوبهم من انفراده ) أي أوجد قلوبهم بما أشرقه فيها من أنوار التوحيد ثابتة على الجزم بإنفراده بسائر الأفعال ، فلم يلتفتوا إلى ما سواه في شيء جل أو قل بل أخلصوا المقاصد ، والنيات في سائر عباداتهم ، وعاملاتهم صابرين راضين حامدين شاكرين مفوضين الأمر لمن له الأمر رضي اللّه تعالى عنهم ، ورضوا عنه . ( قوله : فانقطعوا الخ ) يؤيده قوله تعالى :ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ[ الأحزاب : 4 ] ، فالقلب حينئذ لا يسع غير ما امتلأ به بل ، ولا يخطر بفكره قال العارف ابن الفارض :وإن خطرت لي في سواك إرادة * على خاطري سهوا قضيت بردتيأي بخروجي عن محبة الحق جلّ جلاله ، فهكذا هكذا وإلا فلا لا ا ه . ( قوله :
فانقطعوا ) هذه نتائج امتلاء القلوب المذكورة .
( قوله : ووفقهم الخ ) التوفيق هو خلق قدرة الطاعة في العبد ، ولا يحتاج إلى زيادة الداعية إن قلنا أنها عرض مقارن ، وإن قلنا أنها عرض سابق ، كما قيل به فرارا من تكليف العاجز زيد لإخراج من لم يطع . ( قوله : ووفقهم أي أقدرهم الخ ) صريح فيما درجنا عليه في الهامش أمامه . ( قوله : للقيام بآداب العبودية ) أي ، وهو الوفاء بالعهد حين ما قيلأَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[ الأعراف : 172 ] فهو لعامة عباده رغبة في الوعد ، ورهبة من الوعيد ، وللخاصة للوقوف عندما حد ، والوفاء بما أخذ لا رغبة ولا رهبة بل محبة وشوقا ، ولخاصة الخاصة للتبري من الحول والقوة فهو للمحب لصون قلبه عن الاتساع لغير المحبوب ، ثم ومن الوفاء أن ترى كل نقص يبدو منك راجعا إليك ، ولا ترى كمالا لغير ربك ، ثم لا تذهل عن عبوديتك وعجزك في وقت أن يمنحك التعرفات ، وخرق العادات ، والحاصل أن الكامل ينظر فيما حضره في الحال فإن كان من تصريف الحق فعليه الرضا حتى يكون الوقت ، وإن كان مما يتعلق بكسبه فليلزم ما أهمه منه مع قطع نظره عن الماضي والمستقبل ، إذ تدارك الماضي تضييع للحاضر والمستقبل عسى أن لا يبلغه ، ولذا قيل الصوفي ابن وقته .
( قوله : واشهدهم مجاري أحكام الربوبية ) اعلم أن الرب اسم للحق باعتبار نسبة الذات إلى الموجودات العينية أرواحا كانت أو أجسادا ، فإن نسبة الذات إلى الأعيان الثابتة هي منشأ الأسماء الإلهية كالقادر والمريد ونسبتها إلى الأكوان الخارجية هي منشأ الأسماء الربوبية كالرازق والحفيظ ، فالرب اسم خاص يقتضي وجود المربوب وتحققه والإله يقتضي ثبوت المألوه وتعينه ، فكل الذي يظهر من الأكوان صورة اسم رباني يربيه