على وفق إرادته ، فالجبار من تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل شيء ، ولا تنفذ
شرح
والسماوات وغيرهما ، وقوله : « وتعرفت لهم فبي عرفوني » يعني ، فسمعوا مني بسمعي ، وأبصروني ببصري ، وتكلموا معي بكلامي ، فقوله : « فخلقت خلقا » ، أي أوجدت مخلوقا لأجل ظهوراتي وتجلياتي بسائر أسمائي وصفاتي ، فهذا هو العماء الثاني المعبر عنه بالنفس الرحماني ، وقوله : في الحديث أولا « كان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته هواء » « 1 » يعني كان كنزا مخيفا لا يعلم ولا يعرف ولا يوصف ، لأنه كان في الحضرة العمائية ، وما فوق هذه الحضرة من الحضرات الإلهية ، وما تحتها من الحضرات عدم لعدم وجود الأعيان الكونية ، واندراج الأسماء والصفات في خزانة غيب الذات العلية لأن الحضرة العمائية في اصطلاح أرباب الحقائق الإلهية عبارة عن بطون الذات للذات العلية بمقتضى التعالي ، وأوّل ما أفيض من التعينات الكونية النور المحمدي ، والحقيقة الأحمدية بالتجلي الذاتي الأقدس الذي هو عبارة عن ظهور الذات للذات بمقتضى التنزل ، والظهور بمرآة الحقيقة المحمدية ، فهي القبضة الأصلية وأول التعينات ، وكل الحقائق تنصلت منها وتكونت عنها ، وامتدت بها ، ولهذا قد حازت رتبة السبقية والختمية ، فهو الأب الأكبر لآدم ، فمن دونه من سائر الكائنات علوية وسفلية مجردة أو مركبة فكلها تمتد منه فيما تفتقر إليه من الأزل قبل ظهور أعيانها إلى الأبد بعد تحقق تعيناتها ، هذا ، ويحتمل أن يقال في معنى قوله : « كان في عماء ما فوقه هواء ، ولا تحته هواء » أنه لا يتوصل إليه ، ولا يهتدى لمعرفته إذ لا يعرف إلا بإرادته ، ومشيئته لمن سبق علمه أن يكون عالما بمقتضى قوله : « كن عالما » فهناك كانت الأوصاف غيبا في الذات ، والذات متعززة بوحدتها ، ثم ظهر بجماله لعلمه وتكلم به لذاته فسمعه بسمعه وشهده ببصره وعم الجمال بقية الأوصاف ، فبزغت أنوار بدورها في أفق غيب الهوية العظمى ، فأضاءت بسنائها ، وانعكس من ساطع ضيائها نور أفيض على الأسماء ، فهنالك إرادات يبرزها من خدورها العزيز ، ويطلعها من مشارقها الحريزة حسبما أشار إليه بقوله : « فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فتعرفت لهم » فظهر الاسم الخالق والرازق والبارىء والمصور والوهاب والكريم ونحوها ، وأما ظهوره في الآخرة ، فأوله بالجلال بدليل نفخة الصعق التي هي من مظاهر القهر ، ثم بعد ذلك يتجلى بالجمال والرحمة على من يشاء ، قال بعضهم : الجلال للقهر والجمال للبر والجلال للتعالي ، والجمال للتداني ، الجلال للتفرد والجمال للتوحد .
( أقول ) وسر جمعهما الإشارة إلى ما به يتحقق الكمال لذاته تعالى ، وفي هذا القدر كفاية ، واللّه سبحانه ولي الهداية .
( قوله : على وفق إرادته ) أي على ما يوافق إرادته المخصصة للممكنات ببعض ما يجوز عليها دون غيره على ما سبق في علمه . ( قوله : فالجبار الخ ) محصله أنه يطلق
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( تفسير سورة 11 ، 1 ) وابن ماجة ( مقدمة 13 ) وأحمد بن حنبل ( 4 ، 11 ، 12 ) .