شرح
المقصود بعينه ، وإن اتفق الأوّل دون الثاني ، فهو المحبوب المقرب ، وحصول الثاني بدون الأوّل محال ، وفي كلا الأمرين مراتب كثيرة ، أما في الأوّل ، فبحسب غلبة شدة نور الوحدة على الكثرة وضعفها ، وقوة استيلاء أحكام الوجوب على أحكام الإمكان وضعفه ، وأما في الثاني ، فبحسب استيعاب تحققه بالأسماء كلها وعدمه ، هذا ، وبشهود مظهر الجمال الذاتي هام المهيمون من الملائكة ، ممن سماهم اللّه تعالى بالعالين ، ومن ثم لم يكلفوا بالسجود لآدم لعدم شعورهم به ، وبكل كائن لاصطلامهم ، وغيبتهم في الحق تعالى وذلك أيضا لغاية ولههم بالجمال ، وعدم سعيهم لشيء مما سواه ، وقوله : فيما تقدم أن لكل جمال جلالا ، أي كالهيمان الحاصل من الجمال ، فإنه عبارة عن انقهار العقل وتحيره فيه ، ووراء كل جلال جمال ، وهو اللطف المستور في القهر الإلهي ، كما قال تعالى :وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ[ البقرة : 179 ] وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : سبحان من اتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته ، واشتدت نعمته لأعدائه في سعة رحمته ، ومن كل ذلك يعلم سر قوله صلى اللّه عليه وسلم : « حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات » « 1 » .
واعلم أن بالجلال والجمال يتحقق الكمال الذي غابت أنوار البدور في ساطع لامع باهر ظاهر ضياه شمس الذات الأحدية ، وقمر أسماء وصفات الواحدية ، وبهما كذلك ظهر الوجود المقيد الذي سبى العقول برونقه الذي من جملته الجمال اليوسفي وما ضاهاه فأدهش عشاقه قال تعالى :فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً[ يوسف :
31 ] الآية ، والكمال إما ذاتي ، وهو ما لا تيوقف على شيء أصلا ، وإما أسمائي ، وهو ما يتوقف على الظهور ، والأول الفناء المطلق .
واعلم أن الجلال والجمال لا ينفك أحدهما عن الآخر وإنما الظهور أولا بالجلال لأنه سبحانه كان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته هواء ، بإشارة خبر : « كنت كنزا مخفيا » ، فكان الجلال ظاهرا إذ ذاك ، وكانت الأكوان بأسرها تحت قهر ذلك الجلال أعيانها وذواتها وصفاتها وآثارها ورسومها لم يكن لها وجود في الوجود ، كان اللّه ولا شيء معه ، أي كان كنزا أي غيبا في غيب هويته المطلقة ، وذلك هو المعبر عنه في الحديث بالعماء أي لا يدرك ، ولا يعرف ، ولا يشهد إذ لا علم ثمة ولا معرفة ولا عالم ولا عارف ، ثم أن العماء عماآن الأوّل قديم ، وهو عبارة عن بطون الذات للذات ، وهو المشار إليه في الحديث القدسي بقوله : « كنت كنزا مخفيا لا أعرف » أي ، وذلك قبل خلق النور المحمدي فضلا عن سائر المخلوقات ، « فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا » ، فهو عبارة عن النور المحمدي ، وما تنصل منه من عالم الأرض
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( جنة 1 ) وأبو داود ( سنة 22 ) والترمذي ( جنة 21 ) والنسائي ( أيمان 3 ) والدارمي ( رقاق 117 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 260 ، 333 ، 354 ، 380 ، 153 ، 254 ، 284 ) .