تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
قال المرتعش : الإرادة حبس النفس ) أي : صبرها ( عن مراداتها والإقبال على أوامر اللّه تعالى والرضا ) من العبد ( بموارد القضاء عليه ) وأفق الوارد هواه أو خالفه ، وذلك لأن ما يؤمر العباد بالصبر عنه أو عليه ثلاثة أشياء : صبر عن المنهيات من محرّمات ومكروهات وصبر على المأمورات من واجبات ومندوبات وصبر على ما ينزل بالعبد من اللّه مما يخالف هواه وهو المعبر عنه بقوله والرضا الخ ( وقيل له ) أي : للمرتعش ( إن فلانا يمشي على الماء فقال عندي أن من مكنه اللّه تعالى من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي في الهواء ) الذي هو أعظم من المشي على الماء وذلك لأن المشي عليهما من خوارق العادات وهي لا تعد كرامة إلا إذا قارنتها الاستقامة بأن لا يخلّ العبد بشيء من مأموراته ومنهياته والاستقامة هي الأصل والدليل على صحة الكرامات ، فمن مكنه اللّه من نفسه ، وقهر له هواه حتى لم يخلّ بشيء من ذلك ، فهو المستقيم فالاستقامة أفضل من أعلى الكرامات ، إذ حاصل كلامه أنه لما قيل له أن فلانا يمشي على الماء قال : من وهبه اللّه الاستقامة فقد وهب له ما هو أفضل من المشي في الهواء الذي هو أفضل من المشي على الماء فقد قيل للنبي صلى اللّه عليه وسلم أن عيسى
شرح
( قوله : الإرادة حبس النفس الخ ) أقول فيؤول كلامه رضي اللّه تعالى عنه إلى أن الإرادة ترك الإرادة ، وذلك معناه القيام على النفس بالرياضات والمجاهدات ، حتى تفنى عن مراداتها استغناء بمرادات الحق تبارك وتعالى ، واللّه أعلم . ( قوله : والرضا من العبد بموارد ) أي متعلقات القضاء عليه ، أي على المكلف من نوع الإنسان . ( قوله : على ما ينزل بالعبد ) أي من المحن ، والبلايا الدنيوية . ( قوله : فقال عندي أنّ من مكنه اللّه الخ ) أقول ، وأعلى من ذلك ما أشار إليه سيد العشاق قدّس اللّه سره في تائيته حيث قال :فيا مهجتي ذوبي جوى وصبابة * ويا لوعتي كوني كذاك مذيبتيحيث نادى مهجته بتنزيلها منزلة من يعقل ، وهي بقية الروح الحيواني ، وذوبانها سببا للموت ، والجوى الحرقة في الباطن ، والصبابة العشق ، واللوعة حرقة القلب بنار الوجد ، ومحصله أنه طلب الموت المعنوي ليحيا الحياة الأبدية . ( قوله : فهو أعظم من المشي في الهواء ) أي لأن ذلك لا يتم إلا بعد فناء النفس عن كامل حظوظها ، فحينئذ يتحقق لها الاستقامة ، وهي أصل الكرامة ومنشؤها ، فكانت أفضل بهذا الاعتبار ، حيث هي أصل كل خير واللّه أعلم . ( قوله : إلا إذا قارنتها الاستقامة ) أي وإلا كانت مكرا به واستدراجا أعاذنا اللّه من ذلك . ( قوله : فالاستقامة أفضل الخ ) أي ووجه ذلك صعوبة مشقة الدوام عليها مع عدم ملايمتها للنفس مع أنها الباب الموصل لجميع الخيرات ، ولذا قيل أصعب ما ورد على الرسول صلى اللّه عليه وسلم قوله تعالى :فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ[ هود : 112 ] . ( قوله : فقد قيل للنبيّ الخ ) ذلك دليل على
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 294 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على