هيء زادك للسفر الذي بين يديك ) لأن الزاد هو الوسيلة في الوصول إلى المقصود ، وزاد العبد في الوصول إلى ربه ملازمة طاعته ودوام ذكره له وفاء بقوله تعالى :
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
[ البقرة : 197 ] ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت أبا الطيب العكي يقول : سمعت أبا الحسن المصري يقول :
سمعت أبا حمزة الخراساني يقول : كنت قد بقيت محرما في عباء ) بالمدّ أي كساء ويقال فيه عباة وعباية ( أسافر كل سنة ألف فرسخ تطلع الشمس عليّ وتغرب ) وأنا مسافر ( كلما حللت أحرمت ) أي : كان إذا تحلل من حجة جدد إحرامه بمكة ومضى إلى بلاده مسافرا السفر المذكور وأقام محرما إلى أن يرجع إلى مكة فيأتي بمناسك الحج ، ثم يتحلل ويحرم وهكذا ، وكان مقصوده دوام شعثه وقلة تعبه بلباسه وتنظفه ، وهذا يؤذن بأن ذلك فيه زيادة فضيلة عند الصوفية ، والأفضل عند الفقهاء خلاف ذلك إذ الأفضل أن يحرم بالحج من الميقات ، وفي أشهر الحج ( توفي سنة تسعين ومائتين ) لو قدمه على عادته في ذلك كان أولى .
( ومنهم أبو بكر دلف ) بضم المهملة وفتح اللام ( ابن حجدر الشبلي ) نسبة إلى شبلة قرية من قرى أسروشنه الآتي ضبطها ( بغدادي المولد والمنشأ وأصله من أسروشنه ) بضم الهمزة وإسكان السين وضم الراء ، وإسكان المعجمة ( صحب الجنيد ومن في عصره ، وكان شيخ وقته ) أي : لا نظير له في وقته ( حالا وظرفا ) بضم الظاء المعجمة من الظرافة وهي الكياسة ( وعلما مالكي المذهب عاش سبعا وثمانين سنة
شرح
وكان يقول في مناجاته : إلهي إن هربت منك طبلتني ، وإن قصدتك أتعبتني ، فليس لي معك راحة ، ولا مع غيرك أنس فالمستغاث منك إليك ، وحضر عنده جمع من المريدين ، فوجدهم غفلة لا يذكرون فقال شعرا :كفى حزنا بالواله الصب أن يرى * منازل من يهوى معطلة قفراوقال : الأنس وحشتك من جميع ما يقطعك عنه ، وقال : المحبة نتيجة الهمة ، ومن علت همته غلبت محبته ، وقال : المحبة بحار بلا شاطىء ، وليل بلا آخر ، وعلة بلا طبيب ، وبلاء بلا صبر ، ويأس بلا رجاء ، ووقع له أن زوجته ناولته لبنا فقال : أخاف أن يضرّني فأقام سنين يقول : يا رب اغفر لي ، فإنك وعدت بالمغفرة من لا يشرك بك ، وأنت تعلم إني لم أشرك فقيل له : ولا يوم اللبن ، فخجل ، وذلك لإضافته الضر إليه ، وله غير ذلك من العجائب نفعنا اللّه بأسراره .
( قوله : حالا وظرفا ) أي فكان لا نظير له في مجاهداته ومعاملاته لربه ، وفي كياسته وحذقه وذكاء قريحته وتدبيره وفي علمه الشرعي والذوقي .