نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 289
الذي تقوم به حياته ( يوما بيوم ويأخذ عيشه ) بأن يشتغل في دنياه بما يقربه من ربه من وذلك لقناعته وشرف نفسه ، وتوكله على ربه مع عدم وثوقه بحياته زيادة على هذا الزمن ، بل ، ولا على لحظة منه ، فمحصله أن العارف لا يحصل إلا القوت الضروري للوقت الفاني ، ويأخذ عيشه الذي به حياته الأبدية يوما ينقضي ليوم لا انقضاء له ، وذلك يوم القيامة ، ووقت النعيم السرمدي فهو لا يشتغل في الدنيا إلا بما يقربه إلى ربه ، وشتان ما بين العيشين واليومين ، أي فرق عظيم بين عيش شهواني ينقضي ولا يثمر بل قد يضر ، وعيش هنيء سرمدي دائم ، وبين يوم يمضي ، وينقضي من حيث لا يشعر به ، ويوم لا انقضاء له ، ولا يقدر نعيمه ، واللّه أعلم . ( قوله : قال هيء زادك الخ ) أي وفيما ذكره تنبيه على تذكر عدم الإقامة في هذه الدار ، فهو فيها كالمسافر في الخطر وانقضاء المدة بل ربما يعلم المسافر زمن سفره ، ولا كذلك هو لجهل وقت الموت ، فحينئذ ينبغي الاستعداد بالزاد خشية العطب بدونه ولا سيما والسفر طويل والخير قليل . ( قوله : بقيت محرما الخ ) أي فهو يشير إلى أنه كان دائم التجرد ، وذلك باقتصاره على كساء ساتر لبدنه ، ويديم السفر مع المجاهدات والرياضات ، فكان قليل الراحة تطلع عليه الشمس وتغرب ، وهو مشتغل بعبادة ربه ، وكلما خطرت له خواطر العادات أخذ في دفعها بالجدّ في التجرّد القلبي عن المشغلات . [ ومنهم أبو بكر دلف ابن حجدر الشبلي ] ( قوله : ومنهم أبو بكر دلف الخ ) قال المناوي : دلف بن جحدر أبو بكر الشملي ، وقيل : اسمه جعفر بن يونس حكاه السلمي ، وقيل : غير ذلك ، إمام اشتهر شرفه وسمت في جنان المعرفة غرفه ، وأضاء كوكب زهده وديانته ، ونما فرع ورعه وصيانته كان واليا بنهاوند وبالبصرة ، وكان والده حاجب الحجاب للموفق ، ثمّ تاب صاحب الترجمة ، وصحب الجنيد والنساج والطبقة ، وصار أوحد وقته علما وحالا تفقه على مذهب الإمام مالك ، وكتب حديثا كثيرا ، ثم شغلته العناية عن الرواية ، وكان يأخذه الوله ويرد في أوقات الصلاة إلى حسه ، حتى لا يفوته شيء مما يتوجه إليه التكليف ، ثم إذا فرغ من صلاته أخذه الوله ، فلا يعقل ، وسمع بياعا يقول الخيار وعشرة بدرهم فصاح ، وقال : فكيف الشرار ، وصاح يوما في السماع فقيل له فيه فقال : لا يسمعون كما سمعت كلامها * خروا لعزة ركعا وسجودا ومن فوائده وحكمه : لا يكمل فقير حتى تستوي حالاته سفرا وحضرا وغيبة وشهودا ، وقال : ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق ، وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته ، وقال : رفع اللّه العباد على قدر همهم ، فلو أجرى على الأولياء ذرة مما أجراه على الأنبياء لذابوا وتقطعوا ، وقال : كل صديق ليس له كرامة فهو كذاب ، وقال : العارفون نيام والجاهلون أموات ، وقال : من عرف اللّه حمل السماوات والأرض على شعرة من جفن عينيه ، ومن