التصرف فغلطوا وجعلوا شرههم في ذلك انبساطا وليس بانبساط بل هو شره ورغبة نفس ( و ) جعلوا ( دناءة الهمم جلادة ) لأن الجلادة هي التصبر في الأمور والتجلد لها فغلطوا وجعلوا فتورهم عن الطاعة جلادة ، وليس بجلادة بل دناءة همة وقلة رغبة في الخير ( فعموا ) بذلك ( عن الطريق وسلكوا فيه المضيق ) الذي لا يصل منه الإنسان إلى خير ( فلا حياة ) أي : نشاط ( تنمو ) أي : تزيد ( في شواهدهم ) أي : مشاهدتهم ( ولا عبادة تزكو ) أي : تزيد ( في محاضرتهم ) ومخاطبتهم لقلة استحسان ما هم عليه ، بل يتضرر من خالطهم بمشاهدتهم ورؤية أحوالهم فإنهم ( إن نطقوا فبالغضب وإن خاطبوا فبالكبر ) لاعتقادهم عظمة أنفسهم ( توثب ) بفتح المثناة والواو وبضم المثلثة أي :
استيلاء ( أنفسهم ) على الأمور ظلما ( ينبئ عن خبث ضمائرهم وشرههم في المأكول يظهر ما في سويداء أسرارهم ) أي : جبة قلوبهم ( قاتلهم اللّه ) أي لعنهم ( أنى يؤفكون ) أي : كيف يصرفون عن الحق مع قيام الدليل . ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : سمعت بعض المراوزة ) أي : ( إنسانا صيدلانيا يقول : اجتاز الواسطي يوم
شرح
النفس . ( قوله : وجعلوا دناءة الهمم جلادة ) أي لفهمهم أن صبرهم عن الطاعة من نوع الجلادة الممدوحة ، وما دروا لغباوتهم وجهالتهم أن ذلك خسة ، وانحطاط عن أوجه الشرف .
( قوله : فعموا بذلك عن الطريق ) أي فعميت بصائرهم ، بما ارتكبوه من الأنواع الخسيسة عن طريق الحق ، وسلكوا فيه المضيق أي الطريق الضيق الذي لا يصل به الإنسان إلى خير ، فليس المراد بالمضيق ما يمكن الوصول منه ولو بمشقة بل المراد به المسدود الغير الموصل إلى المقصود . ( قوله : فلا حياة تنمو الخ ) أي فحياة من تخلق بمثل ما قدمه لا تزيد ، فيما شاهدوه بالأوهام الكاذبة ، ولا عبادة لهم تزكو فيما استحضروه بالخيالات الفاسدة ، إذ حياتهم كلا حياة ، وعبادتهم كلا عبادة بل ضرر ذلك هو المحقق ، وشؤمه هو الأليق ، فحينئذ من اجتمع عليهم وخالطهم ، ورضي حالهم ربما يصيبه مثل ما أصابهم ، ويحصل له ضرر مثل ضررهم ، واللّه أعلم . ( قوله : فبالغضب الخ ) أي لبقاء نفوسهم بكامل حظوظها ، وقوّة بشرياتهم بسبب عدم مهضماتها . ( قوله :
توثب أنفسهم الخ ) أي قيامها ، وغلبتها بسبب توفر شهواتها ينبئ أي يدل على خبث ضمائرهم أي أسرارهم الخبيثة ، وشرهم في المأكول أي انهماكهم على الملاذ والشهوات يظهر ويكشف ما بسويداء قلوبهم أي لأن ظاهر الإنسان وباطنه كل منهما أمارة على الآخر .
( قوله : قاتلهم اللّه الخ ) جملة دعائية ، كما أشار إليه الشارح . ( قوله : أي كيف يصرفون الخ ) أي فلا سبيل إلى ذلك إلا بعمى بصائرهم قال تعالى :فَإِنَّها لا تَعْمَى