( ومنهم أبو الحسن بنان ) بضم الموحدة ( ابن محمد الحمال واسطي الأصل أقام بمصر ومات بها سنة ست عشرة وثلاثمائة كبير الشأن صاحب الكرامات سئل بنان عن أجلّ أحوال الصوفية فقال : الثقة بالمضمون ) ، وهو الرزق ليستريح من المشغلات عن الطاعات ( والقيام بالأوامر ) أي : بالمطلوب بها من العبادات قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] ( ومراعاة ) خواطر ( السر ) أي : القلب لتكون الأعمال خالصة للّه تعالى لا لطلب الجزاء الذي وعد اللّه به عليها ولا لغيره ( والتخلي من الكونين ) أي : كوني الدنيا والآخرة بأن يعرض العبد عن حظوظ النفس ، فلا يسكن بقلبه لغير مولاه فيهما . ( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسن بن أحمد الرازي يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : ألقى بنان الحمال بين يدي السبع ) بأمر ابن طولون لما أمره بالمعروف أو لما نسب إلى خطأ في الدين ، فإن الصوفية تجري على ألسنتهم كلمات لا يفهمها غيرهم فينسب قائلها إلى ذلك ، فمنهم من ينسب إلى الزندقة ، ومنهم من ينسب إلى الحلول ويمشى به إلى السلاطين ( فجعل السبع يشمه ، ولا يضره فلما أخرج ) أي أطلق بسبب ما رؤي منه من هذه
شرح
( قوله : إلا ليعبدون ) اللام للصيرورة والعاقبة بالنسبة لمن تعلق عمله القديم بإيمانه وعبادته على ما لا يخفى على من له المام ، وقد تنزه الحق عن العلل والبواعث والأغراض في الأفعال والأحكام . ( قوله : لتكون الأعمال خالصة للّه ) أي ، والإخلاص سر القبول . ( قوله : والتخلي من الكونين ) أي بعدم الالتفات إلى شيء منهما لا رغبة ولا رهبة بل يكون مقصوده مولاه . ( قوله : ألقي بنان الحمال الخ ) اعلم أن الإنسان متى قصر قلبه عليه تعالى ، فلا يشهد غيره تعالى ، فاعلا في شيء من الأشياء لا يرجو غير اللّه ، ولا يخاف غير اللّه ، فإذا ثبت قدمه على هذا المقام دفع اللّه عنه شر جميع الأنام ، واللّه أعلم .
( قوله : فإن الصوفية تجري الخ ) أقول واللّه أعلم بالحقائق أن لهؤلاء الرجال شطحات يخرجون فيها إلى ميدان البسط ، فلا يؤاخذون فيها بعدم الضبط بسبب تجليات جمالية ، وواردات رحمانية يكشف لهم بها حجب الجمال ، فيهيمون بعز الدلال فيخاطبون بالإلهام هلموا على المدام بعد أن يسمعوا شادي الأرواح يترنم بلا إثم ولا جناح ، فيترجمون في حال سكرهم بالحال لما يشاهدون من مظاهر الإفضال بما لا تسعه العقول ، ولا يوافق الحكم المنقول ، حيث هم في الحضرات الغيبية والمشاهدات الجمالية بالترقي إلى المقامات الأحدية ، بالوسايط الأحمدية والإشارات المحمدية ، فمن لم يذق من شراب القوم نال ما نال بفائق اللوم إذ من جهل شيئا عاداه ، ووقف عن الغرض عند من عناه ، ثم من راعى في اللوم المنقول ، مما جاء على لسان سيدنا الرسول فلا ضرر عليه أن قصد اللّه ، وإلا فقد عادى أولياء اللّه هذا ما ظهر لكاتبه الفقير ، واللّه على كل شيء