تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
المريدين وحملهم على الجد فيما هم فيه لينالوا ما وعدهم اللّه به وفيه مكاشفة بما عليه التلميذ لا سيما قوله أربعة أيام ، فلما رأى عليه آثار الجوع ورأى نفسه قد ذلت وانكسرت من الجوع قواها وأعانها بذلك ثم عرف ما يرجوه من اللّه تعالى على مجاهدته له ، وإن نفسه لو تلقت لما ترجوه من فضل ربها لكان تلفها يسيرا في جنب ما تؤمل ، ولم يأمره بحمل ما لا يطيقه وإنما قوى نفسه حتى لا يختل حاله ويرجع عن طريقته فإن الرفق بالنفس في السير أولى وتركها بلا مجاهدة مع هواها علامة الخذلان . ( وقال أبو محمد عبد اللّه الخراز : الجوع طعام الزاهدين ) لأنهم إنما يعانون على فراغهم للخيرات به كما يعتان الخلق على الحياة بالطعام ( والذكر طعام العارفين ) باللّه لأنهم بعيدون عن المشغلات عنه معرضون عن الدنيا ، بل وعن غيرها من جزاء الطاعات فلا يعتانون على ذلك إلا بذكر اللّه لأنسهم به وتلذذهم بقربه .
شرح
لينال أعز المطالب . ( قوله : وإن نفسه لو تلفت الخ ) أي ومن هنا قول بعض المحبين :تمنت سليمى أن أموت صبابة * وأسهل شيء عندنا ما تمنت( قوله : الجوع طعام الزاهدين ) أي لأنه سبب في خلو الأسرار عن الأغيار ، فتتراسل بذلك بوارق الأنوار إلى بصائر قلوب الأخيار . ( قول : والذكر طعام العارفين ) مراده الذكر باللسان وبالقلب ، وإنما كان طعامهم الذكر لأنهم تحققوا باللّه ، ورفضوا ما سواه ، فكانت حياتهم بالذكر ، وتنعماتهم بالفكر ، وأنسهم بالقرب فجناتهم بالمشاهدات ، ونارهم بالغفلات فرضي اللّه تعالى عنهم ، وأرضاهم عنا .

[ ومنهم أبو الحسن بنان ابن محمد الحمال واسطي الأصل ]

( قوله : ومنهم بنان ) أي الواسطي ، ثم المصري عابد عارف وزاهد على الخير عاكف كريم الشأن والولاية جميل التربية والرعاية ، صحب الجنيد وغيره ، وله الكرامات السنية ، والمواقف العلية سئل عن أجل أحوال الصوفية فقال : الثقة بالمضمون ، والقيام بالأوامر ، ومراعاة السر ، والتخلي عن الكونين ، وقال : رؤية الأسباب على الدوام قاطعة عن مشاهدة المسبب ، وقال : بينا أنا أسير بين مكة وجدة ، وإذا بشخص على بعد فأممته وسلمت عليه ، وقلت له : أوصني فقال : يا بنان إن كان اللّه أعطاك من سر سره سرا فكن مع ما أعطاك ، وإن كان لم يعطكه فكن مع الناس على ما هم عليه من الظاهر ، وعليك بكتابة الحديث ، وقال : كنت بطريق مكة ، ومعي زاد فرأيت امرأة فقالت : يا بنان أنت حمال تحمل على ظهرك أتظن إنه لم يرزقك فرميت ما أحمل به ، وقال : الحر عبد ما طمع والعبد حر ما قنع والبريء جريء ، والخائن خائف ، ومن أساء استوحش ، وقال : ليس بمتحقق في الحب من راقب أوقاته ، وتحمل في كتمان حبه حتى ينهتك فيه ، ويفضح ويخلع العذار إدلالا ، ولا يبالي بما يرد عليه من جهة محبوبه ، ويتلذذ بالبلاء في الحب ، وله غير ذلك .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 273 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على