الواحد الذي لا ربّ سواه ( تسقى بماء الفكرة ) أي التفكر في تفاصيل أفعاله تعالى وانفراده بها عن جميع المخلوقات ، ومعنى سقى معرفته بذلك أنه ينشرح به صدره ويتسع نظره في المخلوقات وينتفع به كما أن الشجرة إذا سقيت بالماء حسنت فروعها واخضر ورقها ، وطاب ثمرها وانتفع بها جانيها ( وشجرة الغفلة ) عن اللّه ( تسقى بماء الجهل ) بمقدار ما فاته من اللّه من الخيرات ، فكلما توالت غفلته عن شيء بعدت عنه فوائده فالغفلة عن الفوائد سببها الجهل بها ( وشجرة التوبة تسقى بماء الندامة ) لأن العبد إذا كان معرضا عن مولاه ثم من عليه بالتوبة ندم على ما مضى منه وعزم على أن لا يعود إلى ذلك ( وشجرة المحبة ) من العبد للّه ومن اللّه للعبد ( تسقى بماء الاتفاق ) أي : اتفاق مراد العبد ومطلوب الرب تعالى ( و ) بماء ( الموافقة ) للكتاب والسنة التي بها يحصل رضا اللّه على العبد ، وإذا رضي عليه أحبه وإذا أحبه وإلى عليه نعمه . ( وقال ) ابن مسروق ( متى طمعت في المعرفة ) باللّه ( ولم تحكم ) أي : تتقن ( قبلها مدارج الإرادة ) أي : السلوك ( فأنت في جهل ) لأن العارف من توالى ذكره
شرح
ومعنى سقي معرفته الخ ) بيان لوجه التشبيه ، وهو أن الشجرة الحسية ما دام صاحبها يتعهدها بسقي الماء تحسن فروعها ، ويخضرّ ورقها ، ويبدو ثمرها على أحسن الأحوال لينتفع به صاحبه ، كذلك المعرفة ، إذا دام العارف يتعهدها بالتفكر في المصنوعات المختلفة الدالة على وحدة الصانع وقدرته فينشرح بذلك صدره ، ويكثر خيره وبره .
( قوله : وشجرة الغفلة ) أي التي ينشأ عنها الإعراض عن العلم ، وعن العمل بواسطة الاشتغال بالحظوظ والشهوات ، وقوله : تسقى بماء الجهل ، أي تنمو وتزيد بدوام صفة الجهل ، وتثمر غاية البعد عن درجات الأبرار ، وتدني إلى دركات الأشرار . ( قوله :
وشجرة التوبة الخ ) أي أصل التوبة وحقيقتها ، والمقوم لتلك الحقيقة ، إنما هو الندم يتجسر القلب على ما فرط من المخالفات ، حتى بذلك يرد لقرع باب رب البريات بالإقلاع والعزم على عدم العود لقوة الرجاء من كرم الحق أن يجود . ( قوله : وشجرة المحبة الخ ) أي أصلها والمقوم لها إنما هو الاتفاق من أحب محبوبا وافقه ، بل إذا كملت المحبات فنيت المرادات فافهم . ( قوله : من العبد للّه الخ ) كان الأظهر تقديم محبة اللّه للعبد ، إذ هي السبب الأقوى في محبة العبد للّه قال تعالى :يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ[ المائدة :
54 ] نعم يقال الواو ، لا تفيد الترتيب . ( قوله : متى طمعت في المعرفة الخ ) أي في الوصول إلى هذه الدرجة ، ولم تحكم قبلها مدارج الإرادة ، بحيث لم تتهيأ لقرع هذا الباب بما يأتي بيانه في الشرح ، فأنت في جهل أي حيث سلكت غير السبيل ، وأعرضت عن نور الدليل .
( قوله : لأن العارف الخ ) منه تعلم إرادة الذكر القلبي واللساني معا . ( قوله : ما