في الآخرة لأنه إذا رأى جزاء الأعمال ودرجات المجتهدين في الطاعات مع خلوه عن ذلك باشتغاله بالشهوات توالت على قلبه الندامات والحسرات . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت أبا بكر البلخي يقول : سمعت أبا بكر الوراق يقول ) في ذم الطمع فيما بأيدي الناس ( لو قيل للطمع من أبوك قال :
الشك في المقدور ) أي : يتولد عنه كما يتولد الولد عن أبيه إذ لو تيقن العبد أن رزقه المقدّر له لا بدّ أن يأتيه في وقته لقل أو زال عنه طمعه فيما بأيدي الناس ، ( ولو قيل ) للطمع ( ما حرفتك قال : اكتساب الذل ) كما أن الحرفة هي التي يكتسب الإنسان منها قوته ويلازمها كذلك من قوى طمعه لا يزال متذللا لأبناء الدنيا ، ( ولو قيل ) للطمع ( ما غايتك قال : الحرمان ) لأنه متى كان أصله شكا في المقدور وحرفته دوام الذل لمن لا يصلح التذلل له كان جديرا بأن لا ينيل اللّه من طمع ما طمع فيه لأنه لم يتوصل إليه بطريقه المعتبر ، ( وكان أبو بكر الوراق يمنع أصحابه ) في ابتداء أمره ( عن الأسفار والسياحات ويقول : مفتاح كل بركة الصبر في موضع إرادتك ) أي : سلوكك ( إلى أن تصبح لك الإرادة فإذا صحت لك الإرادة فقد ظهرت عليك أوائل البركة ) لأن من عزم على سلوك طريق الإرادة وعمارة أوقاته بالطاعات ، وكان ضعيف النفس قليل الاعتياد للخير إنما يستعين على ذلك بقطع المشغلات والتفرغ له والصبر عليه فلو
شرح
عنده في الدنيا الخ ) أقول ولكن مع ذلك يرجى له الخير حيث الندم المذكور من أكبر أركان التوبة ، وهي سبب في الترقي إلى الخيرات ، وبلوغ الدرجات واللّه أعلم .
( قوله : وهو ظاهر في الآخرة الخ ) أي وإنما يكون فيها قبل الاستقرار في دار النعيم وإلا فبعد ذلك فلا حسد ولا حقد ولا غم ولا توهيم . ( قوله : ولو قيل للطمع من أبوك ) يشير إلى أنّ الطمع خبيث ذاتا ومنشأ وذلك لأنه يتسبب عنه التهافت على الدنيا وتحصيلها بأي وجه ، وإن كان فيه ذل ولأنه لا يكون إلّا مع الغفلة عن مظهر القضاء والقدر الأزليين .
( قوله : لا بدّ أن يأتيه الخ ) ويدل لذلك خبر لو يفرّ المرء من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت ، أو كما ورد .
( قوله : قال اكتساب الذل ) أي لأن من طمع فيما بيد غيره لزمه التذلل له ليصل إلى ما طمع فيه منه على حسب زعمه . ( قوله : قال الحرمان ) أي لأنه لا يكون إلّا ما قدر كونه له فيحرم عما زاد عنه ، ويحرم أيضا أجر الصبر والقناعة والعفة ، بل يكسب الوزر بسبب طمعه على أنه قد قيل من استعجل بشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه .
( قوله : بمنع أصحابه عن الأسفار الخ ) أقول مرجع ذلك أن المريد من حقه أن لا