( ثلاثة أيام إذ أتاه رجلان ) وليان ( فقالا ) له ( يا أبا عبيد تنشط ) معنا ( للحج فقال لا ) لكونه رأى أن ما هو فيه أولى من سفره معهما ( ثم ) بعد مضيهما ( التفت إليّ وقال ) لي ( شيخك على هذا ) الأمر المسمى بطي الأرض ( أقدر منهما يعني نفسه ) أظهر رحمه اللّه الكرامة لمن يقتدى به لتقوى نفسه بوقوعها وليكمل حسن ظنه به فينتفع به ، وفيه تنبيه على أن الكرامة لا تختصر بمن يقطع الأسباب ، ومن كلامه النعم طرد فمن أحب النعم أحب الطرد والبلاء قربة فمن أساءه البلاء أحب ترك القربة ، وروي عن ابنه نجيب قال بينا أنا أنظر إلى البحر ليلة النصف من شعبان ووالدي بمكان مقابلي ، وإذا بشخص يمشي على الماء ، ثم على الهواء ، ثم جاء إلى والدي فدخل من طاقته التي هو فيها ينظر إلى البحر ، فجلس معه مليا يتحادثان ، ثم قام والدي يودّعه ورجع الرجل من حيث جاء يمشي في الهواء فقمت إلى والدي وقلت له يا أبت من هذا الذي كان عندك يمشي على الماء ثم الهواء فقال : يا بني وهل رأيته قلت : نعم قال :
الحمد للّه رب العالمين الذي سرني بك وبنظرك له يا بني هذا الخضر نحن اليوم في
شرح
ينافي وجود غيرهم ، إذ فضل اللّه واسع ، وإنما الحصر المذكور باعتبار من شاهد أنوارهم من أهل عصره ، واللّه أعلم . ( قوله : لكونه رأى أن ما هو فيه أولى الخ ) أي لكونه الأهم باعتبار وجود من تلزمه مؤنتهم مثلا ، حيث مثله إنما يدور فعله على الأهم فالأهم .
( قوله : أظهر رحمه اللّه الخ ) أقول ، وقد يجب ذلك إذا تعين طريقا لجلب منفعة دينية أو رده مفسدة كذلك ، ولهذا شاهد من السنة الشريفة . ( قوله : النعم طرد الخ ) أي ربما كانت النعم من أسباب الطرد باعتبار أنها قد تشغل العبد عن مراتب القرب من حضرة الرب ، أو الكلام باعتبار الشأن والغالب ، وحينئذ فلا ينافي ذلك أنها مزرعة للآخرة بالنسبة لمن وفق فيها بالعناية الأزلية ، على أنّ الدنيا بما اشتملت عليه مبغوضة له تعالى ومحبتها تنافي محبته جلّ جلاله إذ شرط المحبة الموافقة ، فتدبر واللّه أعلم . ( قوله : والبلاء ) أي الامتحان في الدنيا بالأمراض وغيرها قربة أي قد يكون من أسباب القربة بالنسبة لمن صبر ، ولم يجزع ، ولم يشك لغيره تعالى شكوى ضجر واللّه أعلم .
( قوله : وروي عن ابنه الخ ) انظر يا أخي ما تضمنته هذه القصة من العناية الإلهية بهذا الإنسان حيث سخر اللّه لزيارته كمل أهل العرفان ولا غرو فهو رب الفضل والإحسان . ( قوله : مليا ) أي جلوسا طويلا .
( قوله : يمشي على الماء ثم على الهواء الخ ) أقول المرتبة الثانية أعلى مما قبلها وعلى كل هو غير بعيد حيث اللّه هو الفاعل المختار . ( قوله : قال الحمد للّه الخ ) إنما حمد للّه تعالى على رؤية ولده لأنها تدل على خفة حجابه ، وهي من أسباب قرب الوصول . ( قوله : قال الحمد للّه الخ ) ثناؤه على اللّه تعالى سببه ما رأى من خفة حجاب