تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
وسبب دورانه على المكاتب على القول الأول إظهاره للجزع من قبل نفسه وعلى الثاني إظهاره له امتثالا لما نبه عليه والقول الثاني أكمل وأنسب بحاله ، روي أنه لما أخذه الأسر مكث أربعة عشر يوما فكان يلتوي كما تلتوي الحية على الرمل ينقلب يمينا وشمالا ، فلما أطلق بوله قال يا رب تبت إليك وأنشد :
أنا راض بطول صدك عني * ليس إلا لأن ذاك هواكا فامتحن بالجفا ضميري على الودّ * ودعني معلقا برجاكا
( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت أبا العباس محمد بن الحسين البغدادي يقول : سمعت جعفر الخلدي يقول : قال لي أبو أحمد المغازلي كان ببغداد رجل فرّق على الفقراء أربعين ألف درهم فقال لي سمنون : يا أبا أحمد ألا ترى ما قد أنفق هذا ) من الدراهم ( وما قد عمله ) من الخير ( ونحن ما نجد شيئا ) ننفقه ( فامض بنا إلى موضع نصلي فيه بكل درهم أنفقه ركعة فمضينا إلى المدائن فصلينا أربعين ألف صلاة ) أي : ركعة كما في نسخة ، فيه تنبيه على كمال منافسته ومسارعته في الخير ، وكثرة اجتهاده فيه واقتدائه فيه بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وبسائر أهل الخير . ( وكان سمنون ظريف الخلق ) بضم الخاء واللام لأن الغالب على أحواله البسط كسائر أهل المحبة ( أكثر كلامه في المحبة ) فإن كل إناء بالذي فيه ينضح ( وكان كبير الشأن مات قبل الجنيد كما قيل ) قال ابن الجوزي : بعد سنة ثمان وسبعين ومائتين قال السراج ابن الملقن وهذا غلط فإن موت الجنيد كان في هذه السنة أو سنة سبع انتهى ، ورأيت
شرح
( قوله : أنا راض الخ ) محصله أنه لا يرضى بالصد إلا من حيث أنه مراد له تعالى ، فالجنة مع الصد عذاب ، والنار مع الرضا ألذ مصاب ، وقوله : فامتحن أي فاختبر بالجفاء أي بالصد والحجب ، وقوله : ضميري أي قلبي وسري ، وقوله : على الود متعلق بدعني بعده ، وقوله : معلقا حال ، وقوله برجاكا متعلق به . ( قوله : فرق على الفقراء الخ ) انظر إلى حال من تقدم تحزن على أهل زمانك وتغتم . ( قوله : وكان سمنون الخ ) أي ، ولذا سهل إرشاده للطف خلقه ، ولين جانبه ، ومحبة الخلق له ، فمن ذلك كانوا يقبلون عليه فينتفعون به في قريب من الزمان ، واللّه أعلم . ( قوله : فإن كل إناء الخ ) أي وله الإشارة المحمدية ، حيث قال : من أحب شيئا أكثر من ذكره . ( قوله : فقال الذي يأنس بالعدم ) أي الذي تسكن روحه إلى القلة والعدم ، كما تسكن روح الغني الجاهل إلى غنائه ، واللّه أعلم . ( قوله : ويستوحش ) أي تحصل لنفسه وحشة ونفرة من الغنى ، وذلك باعتبار كونه شاغلا في ذاته ، وقوله : كما يستوحش الجاهل من الفقر أي لوقوفه مع الأسباب ، واعتماده عليها جهلا وغفلة عن خالق الخلق . ( قوله : وكان فؤادي الخ ) فيه إشارة إلى أن القلوب إذا لم تشتغل بمحبته وعبادته تعالى مع مراقبته فيها تعد فارغه ، وإن ملئت بالأغيار